بقلم: د. عطالله أبو السبح
في الوقت الذي كان المفاوض اليهودي يطرح ما يريد باستعلاء وتقزز حتى من ذكر اسم عرفات كان أحمد قريع يطرح ما أملى عليه بضعف واستخذاء وإقرار بالقزمية، الأمر الذي زاد من استعلاء يهود، وأغراهم بالتلاعب بهذا المفاوض الذي يحرص عليهم أشد من حرصه على شعبه...
وأناشد أحمد قريع أن ينفي ذلك، فهي واردة في كتاب المسيرة، وإن ثبت ما جاء فيه، فلا بد أن يقدم أحمد قريع إلى محكمة فلسطينية خالصة من حقوقيين وأكاديميين وعسكريين على أن يكونوا حياديين، وإلا فليبادر الحقوقيون والأكاديميون والعسكريون بقراءة الكتاب وإصدار حكم تاريخي على هذا (القريع) وهو ما أفعله الآن، وقد يراني البعض غير حيادي، فأرجو ألا يسكر عينيه وليقرأ، وليهدِ إليَّ عيوبي وأنت – يا أبا العبد- أولهم... وفي كل الأحوال، فأوري قد كتب وطبع واحتفل بنشر الكتاب، وشاركه الاحتفال أحمد قريع الذي تعتبر مشاركته – في العرف العام هنا- تمثل موافقة ورضا عمَّا جاء فيه ولا اعتراض.
ومما جاء في الصفحات الأولى من الكتاب (البالغة 363 صفحة مع الفهارس) وعلى لسان قريع 1. إنه مسرور، والقيادة الفلسطينية إلى وصول الاتصالات مع الإسرائيليين في نهاية المطاف إلى المرحلة الرسمية (22)
2. وبالنص: نحن نرغب في التعايش معكم، ونرغب في التعاون معكم من أجل تطوير المنطقة، وإحياء خطة (مارشال) شرق أوسطية، وبذلك نستطيع أن نفتح الطريق أمامكم إلى العالم العربي، ونفتح الطريق أمامنا نحو الحرية.
واسمح لي هنا أن أقف، فأحمد قريع قد أبدى سروره للاتصالات الرسمية، متكئاً على أن (م.ت.ف) هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، ولا يمكن أن يكون ذلك صحيحاً من الجانب القانوني والحقوقي، فهي منظمة التحرير، وليست منظمة التفريط والتنازل والتسليم بأن حقنا يصبح باطلاً، وباطلهم حقاً، (فرسمية) أحمد قريع ومن ورائه المنظمة تصبح باطلة إذا تناقضت التصرفات مع النصوص والثوابت التي لا بد أن تظل ماثلة غير قابلة للطمس، وأن تظل مرجعية يحتكم إليها دون هجر أو تأويل أو تحوير أو تبديل إلا من خلال مؤسسة غير مدجنة أو تابعة (!!)، حتى وإن كان المدجن المتبوع هو رئيس المنظمة، وما فهمه شعبنا لدور المنظمة وتمثيلها مقدم على مصالح هذا وأهواء ذاك، وهو ما ينبغي أن تظل حماس ملتزمة به (فما ضاع حق لم ينم عنه أهله.... ولا ناله في العالمين مقصر) هذا أولاً.
وأما ثانياً، فكما قالت العرب في مثل كلام قريع (أول القصيدة كفر)، (نحن نرغب في التعايش معكم) فعلى أي أرض؟ وما حدودك؟ وماذا تملك؟ قد تجيب: لا تتعجل فهذا يأتي فيما سنوقع عليه من اتفاقيات، أقول: على أي أرض سيعيش مع يهود وتتعايش معهم؟
نعم باعتراف المنظمة بدولة يهود، والذي أعلنه عرفات من خلال خطاب صاخب، والذي جاء في بنده الأول (تعترف منظمة التحرير بحق دولة (إسرائيل) في العيش في سلام وأمن جديد، وتقبل المنظمة قراري مجلس الأمن رقمي 242،338) وأقول: للدولة ثلاثة أركان: أرض، شعب، سيادة، وأما قرارا 242 ، 383 فينصان على أن ما احتل سنة 67 من وطننا إنما هي أرض محتلة وبذا يكون اعتراف عرفات بـ(إسرائيل) بمثابة شطب لحقنا فيما اغتصب من أرضنا قبل سنة 67، فلا يافا لنا، ولا حيفا، ولا جولس، ولا الناصرة، ولا بئر السبع أوهوج وكرتيا والسوافير... وبالتالي شطب حق من طرد منها سنة 48 وما تلاها من العودة لها، فإذا ما تحدث متحدث عن حق اللاجئ في العودة، فهل يرضى يهود أن يعود هؤلاء إلى أرض يهود وديارهم، وهو الذي صرح به (أوري) من أول لحظة (أنتم تمثلون خطراً لأنكم تريدون أن تسكنوا بيتي) موقف حازم محدد لا ميوعة فيه ولا التواء... إن اعتراف المنظمة بدولة (إسرائيل) باطل باطل.. فهي لم تفوض بالتفريط ولكنها ألزمت نفسها بالتحرير، ومن المؤكد أنك معها فيما ألزمت نفسها به، فحسب... ويضيف قريع (ونرغب في التعاون معكم) وقد حدد أوجه التعاون في :
1. تطوير المنطقة وإحياء خطة مارشال شرق أوسطية
2. (نستطيع أن نفتح الطريق أمامكم إلى العالم العربي)
ولن يتوقف فتح الطريق أمام التبادل التجاري والاقتصادي بل سيتعداه إلى الثقافي والأمني و الأيديولوجي (ماسوني- وجودي-إباحي- وأندية قمار- ومراقص ستربتيز- وأفلام بورنو- وجاسوسية- وأوكار مخدرات – ومستنقعات إسقاط...) هي وسائل يهود في السيطرة على الشعوب والدول والزعامات، والتي كشف عنها (الأدميرال غاي كار) في كتابه (أحجار على رقعة الشطرنج) الذي أغرى يهوداً بقتل صاحبه، هي الوسائل التي كشفت عنها بروتوكولات حكماء صهيون، والتي يجهلها أحمد قريع (إن أحسنا الظن فيه) هي تصفية للقضية الفلسطينية، بعد جعل قادتها(!!) جنوداً في الشاباك أو الموساد، أو نوادل في علب الليل في شارع ديزنجوف الشهير، أو ماسحي طاولات السكارى على شواطئ إيلات للعراة... إن فتح الطريق إلى العالم العربي الذي يبشر به قريع إنما يبشر بفتح الطريق للشاذين، والمثليين، والإيدز؛ لينهش الوجود العربي المحيط بما يطالب به قريع من بقايا فلسطين، وإن هي إلا عشية أو ضحاها حتى يثب الغول الصهيوني فيمزق (الاتفاق) ويطرد من رضي باتفاق قريع، ويكون قريع قد هلك، وبعد أن تصهينت الأرض العربية، أوتهودت، ولن ينتظر يهود طويلاً، فلقد وثبوا من فوق ظهر قريع، ونقلوا مصانع سابرينا وبولجات، وتنوفا إلى الأرض العربية، في الوقت الذي لا يزال فيه (قريع) ينتظر أن يفي أوري بما وقع عليه...
3. أحمد قريع يا أبا العبد، يطمئن يهوداً أننا أصفار أقزام لا وزن لنا، نحن غثاء لا نملك إلاَّ (حفنة من بنادق الكلاشينكوف والقنابل اليدوية وسيارات الجيب والحجارة) وأما هم فدولة عظمى نووية (ص23) أرأيت؟ وهل رأى حر شريف حتى وإن كان في المسيسبي) أو غابات الأمازون، أو الهنود الحمر مفاوضاً كأحمد قريع، يفاوض بلا إرادة، يتحدث بلا إرادة، ينظر إلى الأمام بلا إرادة، يتوسل بتذلل، بل بإصرار على الذل، خاضع ولم يطلب إليه أحد الخضوع، أي مفاوض هذا؟ وكيف ربته أدبيات منظمة التحرير على هذا؟ ما أسوأ هذا؟ ما أسوأه.... أشعر بالتقزز والقرف... ألم ير قريع أن الحجر قد سلب الجندي اليهودي ثقته بنفسه، بسلاحه، بجيشه، بوجوده... لا تقوى يده على القبض على سلاحه، يهتز ويرتعش (ويلتعن فاطس اللي خلفوه) يبول على نفسه!! حتى تمنى رابين أن يفيق ذات صباح فيجد غزة قد ابتلعها البحر!! ألم ير فارس عودة؟ ألم يسمع عن شهداء الانتفاضة من مختلف التنظيمات؟ وكيف استشهدوا؟؟
ألم يشعر بالخزي وهو يقرأ كلمات (أوري) معقباً على كلماته الرخيصة الجبانة الساقطة (لقد أدركت، فيما بعد، أن الفلسطينيين يفهمون التوازن بيننا وبينهم حقاً مثلما طرحه أبو علاء: (قزم يقف في مواجهة عملاق 'ص:24')، أشعر بالغيظ، وحري بكل فتحاوي، لم يسقط بعد فيما سقط فيه قريع أن يشعر بالغيظ كذلك، وأن يخلع هذا القريع من تاريخ فتح، بل من كل شيء، هذا إن أرادت فتح أن تعود إلى نقائها الثوري، وتستعيد إرادتها من جديد، وأنا – عنذئذٍ- على يقين أنك ستكون سعيداً بالسير معاً جنباً إلى جنب، إلى النصر أو الشهادة، وقد نجوتما من لعنات التاريخ، وازدراء الأجيال القادمة، وأما اليهود فإلى الجحيم....
أتوقف، لأستأنف الحديث إن عشت (أنا) في الغد بمشيئة الله،،،


