الأحد 28 ديسمبر 2025 الساعة 08:53 ص

مقالات وآراء

السيد الرئيس أعانك الله(48)

حجم الخط

بقلم: د. عطالله أبو السبح

 

وبعد لحظة تفكير خاطفة قلت له: أنتم تشكلون خطراً لأنكم تريدون أن تسكنوا بيتي..

 

**(من أين أنت) * أنا من القدس** أنا أيضا من القدس، ومن أين والدك؟ * أنا ولدت في ألمانيا **  لقد ولد أبي في القدس ولا يزال يعيش هناك * ولماذا لا تسأل عن أجدادي، أنا أستطيع أن أقول لك إن سلالتنا تعود إلى الملك داود، ولم أخفِ غضبي: أنا واثق أننا قادرون على التجادل حول الماضي سنين طويلة، ثم لا نصل إلى أي اتفاق، لذا قد يكون من الأجدى أن نتفق حول المستقبل. فوافق. وهكذا توصلنا إلى أول تفاهم بيننا على ألاَّ نجري أي جدال حول الماضي، لقد كان هذا الاتفاق بمثابة خطوة مهمة نظراً لأنه وضعنا خلف أي محاولة للشجار حول العدل والظلم، إن السَّعي لمناقشة ما سيئول إليه المستقبل يعني البحث عن الحلول في خضم المصالح والحقوق للطرفين، وليس الدوران والمراوحة في دوامة الحديث عن الظلم القديم. قلت لأبي علاء: أريد أن أرجع إلى ما قلته حول أمننا، مثلما يبدو الآن.

 

أعتذر على هذا الاستطراد في ( النقل)  فالكلام ليس لي، وإنما هي محاورة بين أوري سافير كبير المفاوضين الإسرائيليين في أوسلو(*) وأما محاورة صاحب النجمتين فهو أحمد قريع رئيس طاقم (م.ت.ف) ولأهمية هذا الحوار الذي جرى في أول لقاء حرصت على أن أنقله كاملاً من مصدره الأصلي (كتاب المسيرة-حكاية أوسلو من الألف إلى الياء ترجمة بدر عفيفي-دار الجليل للنشر ط: الأولى سنة 1998ص:24) وقد توافقني الرأي حول نقاط يمكن استخلاصها من هذا الحوار:

 

الأولى: أن إيماناً راسخاً لدى أوري إن فلسطين له ولآبائه , والقدس على وجه الخصوص, وليس لأحمد قريع هذا الإيمان أبداً, فقال الأول)تريدون أن تسكنوا بيتي) والبيت له حرمة وخصوصية, وأحقية صاحبه في الدفاع عنه حتى الموت ثابتة, فمن جاء ليطرد صاحب البيت من بيته ثم يسكنه فهو خطر على صاحب البيت, يجب التصدي له بكل ما أوتي من وسائل وإمكانات, وهو ما أكد عليه أوري, ولم نسمع من قريع أي شيء من ذلك.

 

الثانية: بدأ أوري بالهجوم النافر( أنتم تشكلون خطراً) الأمر الذي أخرس قريع ؛فلم يستعمل ذات الكلمة أو واحدة من مشتقاتها فاستخذى وتراجع وانهزم, واكتفى بأن سأل: من أين أنت؟ ليجيبه أوري من القدس !! ليسأله: ومن أين والدك؟ فيختصر أوري عليه الطريق( أنا ولدت في ألمانيا) أي إن أبي كان هناك في ألمانيا , وأما أصولي وأجدادي فإنها من هنا أي من فلسطين ؛ فيسجل بهذا نقطة قاتلة بعدم الرد عليها من أحمد قريع, ويستطرد أوري بثقة عندما وجد أن صاحبنا قد انهزم (إن سلالتنا تعود إلى الملك داود) فينخرس قريع أيضاً.. وكان له أن يسأله برهاناً على ذلك, ويقدم إليه تأكيد حقنا التاريخي لا التسليم له بأن سلالته تعود إلى الملك داود عليه السلام ولو بالسكوت, وكعنكبوت يغرز إبرته في الجهاز العصبي لضحيته فيحدث لديها الشلل, فيحكم سيطرته عليها, قال أوري (ولم أخف غضبي) ثم ألقم مفاوضنا الطعم.. الذي ابتلعه فوراً, فالمحادثات للسلام, وصاحبنا مكتوف بحباله الحديدية وقد توجس خيفةً من غضب أوري ألا يمضي بالسلام, وأحلامه, خاصة وأن بيرس قد أثار خيالات الحريصين عليه, المفلسين من القيم, الفارغين من الانتماء, الخاوين من العقيدة... لقد التقم قريع الطعم, الذي تمثل في عدم البحث في ما جرى, ونسيان الأرض التي اغتصبت بالأمس, والتسليم بها للمغتصب, ونسيان التهجير والطرد, وما يترتب عليهما من حقوق, فلا يجوز البحث فيهما؛ فهما من الماضي ونسيان من سلب, أو انتهك, رغم أنه معلوم أنه اليهودي, هو أوري وأبوه وجده وإخوته وأبناء عمومته! فكيف يسكت أحمد قريع؟ وكيف يسكت على هذا الاستعلاء الدنيء... هو الذي يريدون منك – يا أبا العبد- أن تقبل به, وبما أبرموه من اتفاقات, التي هذا الحوار أساسها, فإذا كانت هذه هي البداية, فكيف هي النهاية؟

 

الثالثة: استغل اللعين لهفة قريع, ومن أرسله على الوصول إلى تحقيق أحلامهم على عجل, ملوحاً له بأن الحديث عن الماضي قد يستغرق سنين طويلة؛ إذن فلندع الماضي, ولا نتحدث فيه؛ فأرعبت أشباح السنين الطويلة أحلام من لا أحلام لهم, فهرب قريع منها إلى الأمام, فسقط في أحضان أوري بسهولة, بعد كلمات لم تستغرق دقائق, سقط في الشَرَك الذي عبر عنه أوري بقوله( وهكذا توصلنا إلى أول تفاهم بيننا ألا نجري أي جدال حول الماضي) وبالتالي فما وقع لفلسطين وإنسانها وأرضها وتاريخها ومقدساتها فقد شطب بجرة كلمة.. وافق قريع!! وهكذا يريدون منك ألا تجادل في الحقوق, وإلا فأنت ماضوي, وألا تبحث في التاريخ وإلا فأنت ظلامي, وألا تغضب وإلا فأنت إرهابي.. وهي حقوق خالصة ليهود, فلهم أن يقرروا لمن الحقوق, ولهم التاريخ كله يسرحون فيه ويمرحون, وإذا ما غضبوا فلا بد أن نستخذي ونبتسم ابتسامة باهتة؛ تفويتاً لخطتهم الماكرة في إفشال الحوار, فمعركة السلام أشد شراسة من معركة السلاح, نخوضها بقوى ناعمة, وبابتسامات ناعمة, حتى وإن قرروا نتائجها قبل أن تبدأ... هكذا يريدون منك, وهو ما يفسر استهجانهم من ثورة غضبك إذا ما فكر يهود أن يغضبوا, ومن صمودك أمام هجومهم في معركة التفاوض حول شاليط, وعدم تعجلك النتائج رغم تلويح يهود بالضرر الذي ستعاني عندما تبدي استعدادك للصبر, والصبر على الصبر, حتى تصل إلى ما تريد لا إلى ما يريدون!! انظر-يا أبا العبد- إلى آخر سطرين في نتيجة هذه المحاورة القصيرة جداً, فمن المؤكد أنك ستوافقني على ما استخلصت منها, فبعد أن وافق قريع على (أن نتفق حول المستقبل)  قال أوري: (وهكذا توصلنا إلى أول تفاهم بيننا ينص على ألا نجري أي جدال حول الماضي... لقد كان هذا الاتفاق بمثابة خطوة مهمة؛ نظراً لأنه وضعنا خلف أي محاولة للشجار حول العدل والظلم ) ونسي قريع أن اليهود لا يزالون يقاضون ألمانيا, ويتقاضون منها على دعوى كذوب هي الهولوكوست( المحرقة) وما فعله النازيون رغم زوال حكم النازيين, ولاحقوا كورت فالدهايم أمين عام الأمم المتحدة بدعوى أنه كان جندياً صغيراً في صفوف النازية حتى اضطروه لترك منصبه, وإلاَّ فالكرسي الكهربائي ينتظره بعد أن تركه (ايخمان) إلى القبر بعد إدانته بنفس التهمة، ونسي قريع أن (أوري) يذكره بأنه من سلالة داود عليه السلام أي قبل آلاف السنين، ويجره إلى نسيان خمسين سنه خلت وما جرى فيها من نكبات ومظالم وضياع واستلاب واغتصاب وطرد وتهجير ودمـاء وشهـداء وعذابات؛ فينجر...ولا نامت أعين الجبناء، لم يرد قريع وهو المحاسب والاقتصادي البارع على فاتورة يبدو فيها الاختلاس واللصوصية للأعمى, فقد سرق منه الماضي بدعوى: ينبغي أن يكون الحديث (عن حلول في خضم المصالح والحقوق للطرفين – مع تأكيد على نسيان الماضي – وليس الدوران والمراوحة المكانية في دوامة الحديث عن الظلم القديم) ومن هنا سحبه من (رسنه) إلى الحديث عن (الأمن)  لا غيره...(قلت لأبي علاء:أريد أن أرجع إلى ما قلته أنت حول أمننا، مثلما يبدو الآن)، الآن وما سيتلوه، لا ما سبقه، بمعنى، لا أتكفل بشيء عما تزعمون بأن نكبات وكوارث وقعت لكم... وكأن قريع يقر له بأننا نحن المعتدون، وبالتالي فما وقع لكل معتدٍ حتى وإن ضاع وطنه، وترملت نساؤه, وتيتمت صغاره, وضاع ماضيه وحاضره ومستقبله فهو هدر، وهكذا يريدون منك أن توافق على ما أبرموه في أوسلو الذي  هذا أساسه حتى يفكوا عنك الحصار، أراك تقول فليبق حصارهم، وستكسره عزائمنا وثباتنا وإيماننا بحقنا في الحياة .

 

وأتوقف لأستأنف يوم غد إن عشت (أنا ) لغد بمشيئة الله.