السبت 27 ديسمبر 2025 الساعة 12:43 م

مقالات وآراء

في ذكرى ليلى سعيد

حجم الخط

بقلم د. خالص جلبي

ماتت زوجتي ليلى سعيد قبل أربع سنوات في 7 سبتمبر عام 2005م. ماتت في ساعة من نهار بدون علة. سقطت إلى وهدة الأرض فأحبتها الأرض ورحبت بها وضمتها في عناق أبدي. وودعتنا إلى الأبد.

وهنا عرفت معنى الأبدية مع موت ليلى سعيد.

إنه الوداع الخالد؛ فلا حديث ولا رؤية إلا في منام.

إن الكلمات لم يعد لها معنى، ولكن لم يعد لنا إلا الكلمات أيضا.

كانت ليلى تعيش في عالم من التفاصيل والأفكار والجماليات، وكانت تركز كثيرا على أهمية الذوق الجمالي، ولكن بغيابها صرت أشعر أنها تعيش في كل شيء جميل، في تفتح البراعم، في حمرة الأزهار، في نضرة الحياة وأوراقها، في كأس ساخن من القهوة، في كتاب مثير، في وجه صديق محب، في قمة الأفكار، والسياسة، والتاريخ، ولكن في تفاصيل الحياة الصغيرة وضحكاتها، واللعب مع الأولاد، والأطعمة اللذيذة، ومناظر الطبيعة الجميلة...

لقد تركتنا ليلى في القمة في عمر ووفاة النبي ص 63 عاما، مثل الرياضي الذي يعتزل في قمة لياقته وحضوره وجماله.

قالت لابنتها أروى قبل وفاتها بأيام، يا أروى لو أني عندي عشرة سنوات أخرى لكان جميلا لأن حياتي حلوة كتير كتير هذه الأيام.

أروى تقول، إنها قالتها وكأنه ليس عندها هذا الوقت الإضافي...

وكانت تقول إننا نعيش أجمل الأيام، وكنا مع بعض نقول إن شاء الله لا ينفجع قلبنا بشيء…

ولكن كل شيء فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام.

سألتها ابنتها قبل وفاتها بأيام: كم عمرك الآن. فقالت يوم عيد ميلادي المسجل (7 أيلول) سأصير 63  تماما. نظرت في وجها وقالت بتركيز: يا ماما عندما يصير عمري 63 سنة أريد أن يكون شكلي مثل شكلك.

كانت تشع برونق جميل، وتبدو عليها الحكمة والشباب والصحة في نفس الوقت…

كانت كالحصان الصغير القوي حتى في مماتها. جميلة، رياضية، وبشرة نقية صافية، ووجه مورد. سيقان قوية، وأصابع طويلة رفيعة. وشعر كثيف نضر.

هذه هي ليلى المفكرة، الحكيمة، ذات البسمة الواسعة الكبيرة بأسنانها الناصعة. كانت بسمتها دائما كالشمس التي تشرق في وجوهنا، وكانت صحبتها كيوم مشمس وغيابها كيوم غائم ستعود بعده الشمس الدافئة والابتسامة الرائعة.

لقد كانت شمسا ناصعة في حياتها، ومماتها. لقد كانت تحفنا الملائكة. كانت تحب أن يحب الجميع بعضهم. وكنت بسبب هذا أذكرها بما قال عيسى عندما رأينا فيلم الآلام، عندما قال لأصحابه، 'أريدكم بأن يعرفكم الناس من بعدي بأنكم أنتم الذين تحبون بعضكم وتحبون الآخرين.

' كنت أقولها لها، وسأقولها لها دائما.

كانت ليلى تريد أن يحب كل من حولها بعضهم وكل من حولهم.

كان اللاعنف والسلام ليس قضية سياسية ولكن يومية معاشية تتخل كل تفاصيل الحياة اليومية. حتى لغتنا وحوارنا وذوقنا كانت تريده أن يكون سلاميا.

شعرنا بالشرف والكرامة والفخر أن قدمت لنا هذا الشرف الأخير. أن نودعها هذا الوداع الأخير المعطر والمبتسم.

قالت عنها ابنتها عفراء: كانت معي عندما ولدت أولادي، وهم مجعلكين وعليهم الشمع، مثل الدجاج المنتوف الصغير. واستيقظت صباح الجمعة وأنا أقول أنت ستكوني البيبي تبعي يا أمي، يا حياتي، يا روحي. سنولدك إلى عالم آخر، وكنت مستعدة لأي شيء…

ولكن عندما وصلنا أنا وآمنة إلى غرفة الغسل رأينا أمنا الجميلة، ليلى سعيد، وهي نائمة بخدود موردة وأيد جميلة ناعمة وأرجل رائعة. ولكن كانت هذه نومتها الأخيرة.

في الصباح عندما كنا متجهين إلى المسجد للغسل، وصلاة الجنازة، كنا نسمع قرآن في السيارة. وجاءت سورة العلق. أظن سمعتها عشرين مرة. أعيدها أعيدها بصوت مشاري العفاسي. شعرت أنها كانت دوائي، فيها الكود الوارثي القرآن عن الطاغوت، وحله.

كلا إن الإنسان ليطغى، ثم الحل. كلا لا تطعه... أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى، أرأيت إن كان على الهدى، أرأيت إن أمر بالتقوى. الحمد لله أننا كنت أسمع هذا... هذا الذي شد من أزري في لحظة كان  يجب أن لا نطيع.

تابعت عفراء: هذا الذي جعلني ثابتة عندما صليت صلاة نية الغسل، كانت تذكرني بقيم ليلى أيضا. اقرأ، اقرأ، اقرأ، القلم القلم.... ثم تواسيني آية إن إلى ربك الرجعى.'

والآن بعد أربع سنوات أشعر بتدفق الزمن اللانهائي والراحلين اللانهائيين والعالم الموازي والموت القاهر والاقتراب من النهاية والاستعداد بشجاعة وأنه بعد خسارة ليلى ليس من خسارة. وأنه ليس هناك شيء يستحق أن يحزن من أجله الإنسان طالما كنا في النهاية من التراب وإلى التراب نعود.. فمثل وجه ليلى الجميل أصبح طعاما للدود فهل هناك بعد هذا من حزن وحسرة؟؟