السبت 27 ديسمبر 2025 الساعة 12:43 م

مقالات وآراء

هواية صيد الكتب

حجم الخط

القانون 13 من قوانين البناء المعرفي

بقلم د. خالص جلبي

فعليك أيها القارئ الدءوب أن تكون صيادا للكتب ولو بلغة الماندرين في جزيرة سخالين وكمشتما وأرض بيتاغونيا.

وأنا وأخي الفيلسوف البليهي نتعاون في هذا، وقد استطعنا أن نظفر بكتاب الطب التجريبي لكلود برنار بعد بحث ربع قرن، فأخذناه من مكتبة الإسكندرية بواسطةـ وصورناه بمعونة، وأخذنا منه فورا أكثر من نسخة.

وكتاب الإنسان يبحث عن المعنى لفيكتور فرانكل، أو تحليل خلقي للنفس لعالم النفس البريطاني هدفيلد الذي كتبه قبل أكثر من سعين عاما لايمكن العثور عليه في أي مكتبة. وكذلك الحال في كتاب معالم تاريخ الإنسانية لويلز أو مختصر دراسة التاريخ لتوينبي.

وأمهات الكتب الرائعة من الثقافات الإنسانية لا نراها في كل مكان وبسرعة.

وكتاب العبودية المختارة كتب قبل أكثر من أربعة قرون وهو للفيلسوف الشاب أتيين دي لابواسييه ولكنه يصح حتى يومنا هذا وقد قمنا بإعادة طباعته وأحيائه من جديد.

وندائي كبير للموسرين أن يحيوا هذه السنة الحسنة فيعيوا طباعة كتب اندثرت ولكنها كانت مصابيح في دياجير الظلام، وأحيانا أتمنى إعادة طباعة كل كتب كامل حسين صاحب كتاب وحدة المعرفة أو تحسين الفهم الإنساني لسبينوزا أو كتب الوردي.

والتبادل الثقافي ميسر الآن، وهناك من الكتب ما لايمكن العثور عليها في أي مكان، فوجب أخذ صورة فور وقوع الكتاب في اليد. وأنا أفعل هذا باستمرار فالكتاب غير المتوفر تصويره متوفر.

ويجب أن تعلم أن المعرفة الإنسانية كم هائل اليوم؛ فوجب فرز المعلومات بسرعة، وتوظيف الوقت للفكر الإنساني الهادي إلى صراط مستقيم، وهذا يتم كما قلنا بجهد عشر سنين عجافا تنتهي سمانا.

وعلى العاقل أن لا يبخل في موضوع الكتب والثقافة، ويجب أن تكون مكتبة البيت في مثل أهمية المطبخ إن لم يكن أكثر. وهذا يتوقف من طرف على ذوق الزوجة فإن كانت محبة للعلم أنتجت عائلة مثقفة وإلا للقيل والقال وكثرة السؤال وإضاعة المال.

وأنا رجل أنعم الله علي بزوجة كانت خلفي في الزاد المعرفي ثم شاءت الإرادة الإلهية أن تختارها إلى الدار الآخرة فأظلمت الدنيا بعد انطفاء المصباح وضاعت الاتجاهات بعد فقد البوصلة الروحية، فأنا لروحها أدعو في كل صلاة بالسلام الأبدي والسعادة السرمدية.

ومن رزق بزوجة تحب العلم بنى لنفسه مكتبة رائعة وعائلة أروع وإلا فبئس القرين لأن الشباب يذبل والجمال يذوب وما يبقى العلم وحبه..

وهكذا ومن صيد الكتب أمكن لي أن أجمع مكتبة متواضعة فيها بضع آلاف من الكتب وما زلت أصيد. ومن أراد أن يتأكد من مكتبة من يزور فلينظر إلى الأحجام والألوان، فإن كانت متساوية مذهبة الأعقاب، فهو يعيش أيام الحافظ الذهبي وسير الأعلام، ومن رأى تنوع المكتبات والمصادر والفلسفات عرفت انه يعيش العصر فهذا اجعله من خلان الوفا وأصدقاء الفكر.

وقبل فترة اجتمعت بثلة من الأطباء فدار الحديث في الدم والقيح والمرض والعلة، حتى شعرت بالاختناق فنهضت وقلت حتى يخوضوا في حديث غيره.

ودعاني صديق إلى الإفطار فاجتمعت برهط من المهندسين فتمنيت أن يرتفع المستوى، وكنت في كل محاولة صعود ارتطم بالأرض حتى ضاقت علي نفسي وقلت فلا تقعد بعد الذكرى معهم.  فانصرفت وقلت في نفسي الثقافة ساحة محدودة في العالم العربي.

ومشكلة الوعي والتنور أن صاحبها لا يشعر بذلك وهي تذكر بقصة كهف أفلاطون. والأنبياء صبروا على الناس من أجل التعليم، ولكن من لا يريد أن يتعلم فاصفح عنه الصفح الجميل إن ربك هو الخلاق العليم..