الإثنين 28 سبتمبر 2020 الساعة 05:21 ص

مقالات وآراء

مقالات أخرى للكاتب

أزمة إعلام.. أم إعلام أزمة؟

حجم الخط

الإعلام سلطة ومسؤولية، ومثل تلك السلطة تحتاج مرجعية أخلاقية ووطنية ومعايير مهنية، تمثل رافعة وأداة مهمة في تحقيق التعبئة المطلوبة وطنياً لمواجهة الاحتلال وروايته الملفقة وإعلامه الموجه، ودعامة لعملية البناء والتنمية الوطنية وفي مقدمتها تلك التي تستهدف الإنسان، وأداة لمراقبة السلطة التنفيذية وتصويب المسار، والاعلام ليس مجرد وسيط إلكتروني أو معلوماتي، بل إن أهمية الوسائط الإعلامية أصبحت في المادة المتدفقة والمرسلة ونوعيتها وطبيعتها وسرعتها وطريقة استقبالها ووقعها ولغتها وأسلوبها الاتصالي، كما أضحي الإعلام محوراً أساسيا في منظومة الدولة والمجتمع، ووسيلة تربوية مهمة في بناء اتجاهات الرأي والقيم الأخلاقية والسلوكية، وأداة استراتيجية مؤثرة في سياسات الحرب والسلام، لذلك فإن الإعلام يسبق الجيوش الجرارة إلى المعركة، ولا ينتهي دوره بانتهاءها، وهو السلطة الرابعة، لكن في مجتمعات تُحترم فيها قيّم الحرية والعدالة والشفافية والمحاسبة، وليس في المجتمعات المستبدة التي ترى بعين عوراء، وتسمع بأذن صماء، وتحكم بيد من حديد باطشة.

لسنا بالطبع بصدد تقييم أداء الإعلام الفلسطيني، لكن ما حدث في الأيام الخوالي النحسات، يستوجب وقفه جادة أمام الأداء الاعلامي المأزوم في ساحتنا الفلسطينية، وأطرح جملة من الأسئلة لإثارة حالة من التفكر فيما آل إليه حالنا:

هل نحن مرشحين لدخول مجال المنافسة الإعلامية العالمية بما نمتلكه من خبرات وإمكانات والتزام مهني وأخلاقي، وهل ندرك حقيقة أن هناك آلاف المحطات والقنوات الفضائية والصحف التي يمكن أن يتحول إليها المشاهد والمستمع والقاري، وأن مجال المنافسة عالمي في زمن العولمة.

هل ندرك مسؤولية وخطورة أدائنا الإعلامي الذي قد يصل إلى أنحاء العالم سواء عبر الفضاء الخارجي أو الشبكة العنكبوتية، وما هي الصورة والانطباع الذي يمكن أن يخلفه التراشق الاعلامي من تأثير فادح على ملايين المشاهدين والقراء المحتملين.

  ألا يوجه الخطاب الإعلامي إلى جمهورنا وناسنا وحبايبنا دون أن يكون لملايين مشاهدين وقراء محتملين حول العالم حظوة في هذا الاعلام، ونصبح كالذي يتكلم إلى نفسه في المرآة.

  هل التفرغ لمعاركنا الداخلية والاستغراق فيها يمكن أن يقنع العالم أننا أصحاب حق تغتاله أسرائيل، أو أن يخدم معركتنا مع الاحتلال وهو الذي أتقن لعب دور الضحية، ويسيطر على الكثير من المنابر الاعلامية الدولية ذات التأثير.

هل يخدم أداؤنا الاعلامي ونشر اختلافاتنا وغسيلنا الداخلي على الملأ سعينا لكسب المؤيدين والمناصرين لقضيتنا، ألا يظهرنا ذلك بمظهر المرتزقة والغوغاء واللامسؤولية الوطنية، وإذا كنا لا  نستطيع أن نحافظ على غزة بعد خلوها من الاحتلال، (نظريا على الأقل) فما الذي يمكن أن نفعله لو أن الاحتلال انسحب من أراض أخرى، وهل خيار شمشون (SAMPSON OPTION) هو الخيار الوحيد.

هل أداؤنا الاعلامي وخاصة في الأزمة الأخيرة وما حدث خلالها من التراشق والاتهام والشتم والمحاكمات الغيابية على الهواء مباشرة، تذكر بمحاكم التفتيش، يمكن أن يكون بديلاً عن دور مؤسسة القضاء، وهل يؤسس ذلك لمحاكمات عادلة وحقيقية أم أنها تساهم في تأزيم الوضع، ودفعه إلى مدارك أكثر سوء.

هل بقي الإعلام الرسمي الذي كان من المفترض أن يقف على الحياد، بعيداً عن حالة التجاذب الداخلية، أم خاض فيها حتى أخمص قدمية وهل يؤسس ذلك لثقافة وطنية يلتف حولها الجميع وينتمي إليها.

ألم يساهم هذا الإعلام المأزوم في تثوير النفوس ودك الأسافين وهدر الدماء واستحلالها، وهو ما ستكتوي بناره النفوس لعقود قادمة، هل تحملنا مسؤولية الكلمة، وعلمنا أن الحرب مبدؤها كلام.

  ألا يتقن هذا الاعلام فن الشقلبة، وهو الذي يتغير فجأة وبدون مقدمات بواقع 360 درجة، فمن خطاب دموي تخويني، إلى خطاب وحدوي وطني، ألا يعطي ذلك الانطباع أنه إعلام انتهازي و'إعلام مقاولات'، وبأنه لا يؤدي رسالة أخلاقية أو وطنية بل هو مرهون لأجندات يعلم الله وحده أنها ليست لصالح الشعب ولا القضية.

أخيراً، هل تعكس الأزمة الاعلامية أزمة إجتماعية ثقافية في الأصل وليس سياسية وحسب.

الذي حدث في ساحتنا الاعلامية يعكس خللاً أخلاقياً ومهنياً، يستدعي وقفة وطنية جادة تتظافر فيها كل الجهود المخلصة والواعية لمعالجة تلك الأسباب والنتائج التي انتهت اليها، وإحداث مراجعة شامة لسياستنا الاعلامية بما يحقق أهدافنا الوطنية التي يتطلع إليها كل صادق غيور.