بقلم : م. وصفي قبها
لقد أطلت علينا المجاهدة الكبيرة أحلام التميمي 'أم العز' مساء يوم السبت السابع من آذار ومن على شاشة القناة العاشرة الإسرائيلية، لتتحدث مرة أخرى ومن زنزانتها في سجن تلموند مجمع هشارون، ولتعبر عن موقفها بأن ما قامت به لم يكن حباً في القتل، وإنما جاء في سياق رد العدوان الإسرائيلي المتكرر والمتواصل الذي يستهدف الكل الفلسطيني أرضاً وشعباً ومقدسات، هذا الاحتلال الذي ارتكب أفظع الجرائم والمجازر بحق الشعب الفلسطيني الأعزل بعد أن اغتصب أرضه وطرده منها، فمجازر الطنطورة، ودير ياسين، وكفر قاسم، ومدرسة بحر البقر، وقلقيلية، وقبيا والسموع، وصبرا وشاتيلا، وقانا ومخيم جنين... وليس آخرها العدوان الأخير على غزة هاشم في حرب سَعََّرت إسرائيل نيرانها بأجساد أطفال غزة الغضة والطرية وأجساد النساء والشيوخ من أبناء شعبنا الفلسطيني، وقد جاء حديث أحلام في سياق تقرير بعنوان 'القتلة يتحدثون من داخل السجون'، هذا التقرير الذي أثار لغطاً في الأوساط السياسية والإعلامية الإسرائيلية، وأثار تحفظات مصلحة السجون الإسرائيلية، وبعيداً عن كل ذلك فإن الأهم هو تلك الإطلالة المشرقة التي ظهرت بها أحلام بتلك المعنويات، وتلك الهمة العالية التي عودتنا عليها مع كل حديث أو تصريح أدلت به من خلف القضبان، معبرة عن قناعاتها ومواقفها غير آبهة بالسجان وبطشه وإجراءاته القمعية والتعسفية.
ومن الجدير بالذكر أن العدو قبل الصديق قد شهد لأحلام بأنها إنسانة بكل ما تحمل الكلمة من معنى، ومشاعرها الإنسانية تجسدها بأحاديثها المفعمة بحب الوطن وخير الإنسانية، وبابتسامتها المعهودة، وبالتعبير عن مواقفها الصريحة، وهذا ما ........إلى جزء منه معد التقرير في القناة العاشرة.
أحلام تحدثت والابتسامة ترتسم على محياها، ابتسامة لم تفارقها طيلة حديثها، ابتسامة تعبر عن براءة الفلسطيني الظامئ إلى فجر حريته، وإنسانيته الشامتة من التواطئ الدولي، والانحياز الكامل للطرف المحتل، إلا أن هذه الابتسامة قد خالطها مسحات وعلامات حزن بدت على وجهها ولا شك أن مسحات الحزن هذه جاءت امتداداً لتلك الدمعات الحرى التي سالت على وجنتيها عندما رأيناها على مدخل سجن الجلمة (كيشون) قبل حوالي العامين، بعد الأحداث المؤسفة والمذلة التي حصلت في غزة وجاء صداها وردات فعلها خارجاً عن المنطوق والعرف الوطني في الضفة الغربية، يومها كتبت عن دموع أحلام.
إن طريقة أحلام في الحياة كما هو معروف لمن حولها... بسيطة وصعبة.. سهلة وعسيرة في نفس الوقت، ولا شك أنها ليست طريقة المتصوفين، لأن أحلام لم تفهم التصوف كما فهمه المتصوفة أنفسهم، لأنها لم تحصر نفسها في دائرة ضيقة من العبادات على حساب عبادات أخرى، وهي التي عرفت الإسلام وتربت عليه في محاضن الدعوة الإسلامية، محاضن حماس على أنه عقيدة وعبادة، وطنا وجنسية، خلقا ومادة، ثقافة ..........سماحة ورقة، سلام شامل نحو دين ودولة، مصحف وسيف....
وأحلام لم تقصر يوماً في أمور عبادتها ولم تتوان عن أداء فرائضها نحو ربها، وهي من الذين يصدق فيهم القول رهبان الليل، فرسان النهار، كما هم رجالات الشرعية الفلسطينية من أبناء التغيير والإصلاح وخاصة الرابضين والمغيبين قسراً خلف قضبان سجون الاحتلال.
أحلام التي تبلور لديها الفهم العام والشامل للإسلام بأوضح صورة عرفته الشمولية من خلال الحركة الإسلامية التي تصرف نفسها على أنها حقيقة صوفية، ودعوة سلفية، وطريقة سنية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، رابطة علمية ثقافية، وشركة اقتصادية، وفكرة اجتماعية، وحركة جهادية ومقاومة لكل أشكال الاحتلال والظلم، وأحلام التي أصدرت المحكمة العسكرية الإسرائيلية بحقها حكماً بالمؤبد ستة عشرة مرة بالإضافة إلى عشرين عاماً، وهي المجاهدة التي عرفت بمقاومتها للاحتلال من خلال انخراطها في كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس، وحقيقة أحلام الصوفية بما تجسده من أن حماس ...... لمهارة النقش ونقاء القلب والمواظبة على العمل والحب في الله والارتباط على الخير، هكذا هي أحلام الجهاد والمقاومة.
إن حكاية أحلام هي حكاية ماجدة من ماجدات الشعب الفلسطيني، فهي منار في شجاعتها وإقدامها فارس مغوار يذكرنا بخولة بنت الأزور وهي تشق صفوف العدو، وفي جهادها وعطائها وتضحياتها هي الشمس في رابعة النهار، وفي ميادين المقاومة علم من أعلام المجاهدين والمناضلين والثوار، وهي أمام كل ما تقدم من الشرفاء الأحرار، لها طريقتها الخاصة في الحياة، يمكن أن يطلق عليها الطريقة التميمية القسامية نسبة إلى عائلتها التميمي وانتمائها القسامي، والاسم يأتي من الذاكرة البعيدة الضاربة في عمق الوعي الإسلامي، وريث مجد غابر، ووريث الحب والعشق الفلسطيني أرضاً ومقدسات، والعشق في قاموس الهوى، هو الحب الكبير، وأحلام.... بقلبها الكبير تعشق فلسطين، تعشق الأقصى، عشقاً حقيقياً تعبر عنه من آلام القيد اليومية، من آلام السجن، وظلم السجان.
إنه العشق الفلسطيني، إنه حب الأوطان الذي تغلغل بين ضلوعها وحناياها والتهب جمراً في صدرها، واستحوذ على قلبها، أحلام تحمل وجع الشعب، وتتألم لآلام الشعب، وتتأوه لآهات الأقصى المكبل الذي يئن تحت نير ووطأة الاحتلال منذ أكثر من اثنين وأربعين عاماً.
إن ما قرأته في وجه أحلام، ما هو إلا حزن على حال الأقصى والشعب الذي يعاني أكثر من كل يوم يمر عليه، وهو لا زال تحت سياط الاحتلال الإسرائيلي الذي يعاني أكثر من أحلام على حالة الانقسام والتشظي السياسي والجغرافي التي تعيشها الساحة الفلسطينية، ومرور أكثر من عشرين شهراً دون أن تحصل تلك المصالحة الوطنية الشاملة والمنظورة والمأمولة، والتي ترنو الأبصار إلى تحقيقها قريباً في القاهرة مدينة العروبة والإسلام، إنه الحزن على عملية التطهير التي تطال الإنسان والشجر والحجر في فلسطين كلها وفي القدس على وجه الخصوص حيث عمليات هدم مئات المنازل وطرد الأولين من أبناء القدس وخاصة في سلوان ورأس خميس والبلدة القديمة لتفريغها من سكانها الأصليين لطمس معالمها وتهويدها وكل ذلك في ظل صمت دولي وعربي رسمي وشعبي.
إنه حزن أحلام وهي ترى الاحتلال يتوحد بكل أحزابه وأطيافه السياسية في مواجهة الفلسطيني الأعزل الذي نجح الاحتلال في شق صفه من خلال أدواته الفلسطينية، أحلام التي يتقطع قلبها كتقطع أوصال الوطن كان من الطبيعي أن تبرر تلك السحنات من الحزن على وجهها .......الابتسامة التي رسمتها، أحلام التي تتألم لممارسات السلطة والأجهزة الأمنية في الضفة الغربية حيث متابعة وملاحقة واعتقال وتحقيق وقتل المجاهدين الشرفاء الأطهار ومصادرة سلاح المقاومة ووضع ....المؤسسات وأحوال العمل الخيري والاجتماعي بحجة الإجراءات الوقائية حتى لا يتكرر مثال غزة، أحلام تأسف لقصر النظر الذي ينظر إلى ما آلت له الأمور في غزة وأن النظر ودراسة والوقوف على الأسباب التي أدت إلى هذه النتيجة التي لم يكن مخططاً لها البتة، لهذا كانت تلك المسحة من الحزن على وجه أحلام، وإنني على يقين بأن ابتسامتها هي عبادة ...... لاحتلال وأعوانه، ابتسامة السخرية من سادية هذا الاحتلال البغيض، ابتسامة التعالي على الجراح، فمن المستحيل أن تقبل أحلام لنفسها أن تظهر بمظهر المتألم، المستكين، اليائس المقهور، لا وألف لا... فأحلام وكما هي أصالتها وسنها وانتماؤها وفلسطينيتها تدعوننا أنها من الصبارين والشكورين، فهي وبحب كثيرة الصبر والشكر، دائمة الصبر والشكر، مستمرة في صبرها وشكرها إلى حد المبالغة في هذا الصبر والشكر... وعلى كل الأحوال وفي كل الظروف والمواقف.
إن ابتسامة أحلام تؤكد للعالم أجمع أن السجن والسجان لن ينال من عزيمتنا، ولن يفت في عضدنا، فنحن الشعب الفلسطيني أصحاب الحق وملح هذه الأرض ولن تلين لنا قناة، وأحلام ابنة هذا الشعب العظيم، أحلام ثمرة من ثمرات الحركة الإسلامية الرائدة في جهادها ومقاومتها، أحلام التميمي 'أم العز' كبيرة بأحلامها، كبيرة بابتسامتها، كبيرة، كبيرة، كبيرة، رغم مسحات الحزن التي لا يقرأها إلا من خَبِر هذا الشعب برجالاته وماجداته المجاهدات.
أحلام تبتسم للحرية التي تطرق أبواب زنازين المؤبدات من أبناء شعبنا وقدامى الأسرى والمرضى كبار السن والأسيرات والأشبال... أحلام الحالمة بالوطن المستقل وبالمجتمع المدني الفلسطيني ومؤسساته، وبالديمقراطية الحقيقية والتداول السياسي ...... ومتابعة الشأن الفلسطيني وقضيته وصيانة وحدته والمحافظة على مقاومته، تستحق أن يكتب عنها وأن يتم التأريخ والتوثيق لتفاصيل حياتها لتروى للأجيال القادمة هذا العشق الجنوني الفلسطيني، وهذا العطاء وهذه التضحيات الكبيرة والعظيمة والزاخرة بكل معاني عشق الوطن.
أحلام وبالرغم من أن قدميها تغوصان في طين الواقع ولا تتركه أبداً، هي وعلى الدوام ترى الأشياء الجميلة في أبناء الشعب الفلسطيني وفصائل المقاومة، أما الحياة ومع طريقتها التميمية الموشاة بالانتماء القسامي قد صنعت وبحق وبامتياز كل الأشياء الجميلة، أحلام هي التي اخترعت الأمور الجميلة، فكانت ماركة تميمية- قسامية مسجلة وباسمها في سجل العطاء والتضحيات الفلسطيني، وكأن لها صفحتها الخاصة وعلاقتها الوطنية المميزة بانتمائها القسامي، وبما صدر بحقها من حكم جائر وصل إلى المؤبد ستة عشر مرة بالإضافة إلى عشرين سنة وهو أعلى حكم صدر بحق فلسطينية، فحقا إنها صفحة وطنية مشرقة، جميلة ورائعة. أحلام الطائر الجميل الذي لا يغرد إلا بالوحدة الوطنية، وبالتلاحم الفلسطيني، أحلام بلبل الوطن الذي لا يغرد إلا بحب فلسطين، هي التي خَبِرت الشعب وتعرف ما يطرب قلوب الشعب، فنعم الطائر الرائع والجميل والغريد أحلام.
أحلام وشخصيتها وكاريزميتها وبمكنونات صدرها أشبه ما تكون ببحر يسير ويمشي على قدميه، تزخر في أعماقها الجواهر واللآلئ، وتتجسد فيها منظومة كاملة من القيم الإسلامية والوطنية والأخلاقية ما يقربها إلى قلوب الناس أكثر ويحببهم بها ويزيد من احترامهم لها.
أحلام شجرة اللبلاب التي تحتضن كل الشعب بالأذرع الخضراء النضرة ليستجير البيت الفلسطيني بظلالها من الهجير، وهي التي تشعر بجراح شعبنا ونزيف قدسنا وآهات أسرانا وأنات الثكالى واليتامى من زوجات وأبناء شهداء شعبنا.
أحلام من تعزف سيمفونية الجهاد والحب والحياة وهي على الدوام ينبض قلبها بعشق.... حيث يتوهج هذا القلب الكبير ويتألق، وهي التي إن تحدثت تستولي على المشاعر والنفوس بجاذبيتها البريئة الخاصة والفريدة، حيث لوقع موقفها وحديثها سحر يعبر عن عظمة هذه الماجدة التي يمكن القول بأنه لم يحن الوقت بعد للكشف عن كل جوانب حياتها وقناعاتها الراسخة وإيمانها العميق، وتصرفاتها وممارساتها العجيبة والمبهرة والتي كلها تؤكد على أنها شخصية واقعية زاخرة، بل عالم كامل يحمل ويعيش بصنوف مختلفة من المواهب والمتاعب معاً...
سيتم الكشف عن تفاصيل حياة هذه المجاهدة العظيمة، والماجدة الرائعة عندما يتم كسر قيدها في صفقة تبادل مشرفة تقوم بها الفصائل المجاهدة مقابل سراح الجندي الإسرائيلي الأسير – جلعاد شاليط – الذي جاءت به هذه الفصائل من خلال عملية الوهم المتبدد بتاريخ 25/6/2006.
أحلام لم ولن تتوقف عن التغريد بما يطرب شعبها العظيم ويواسيه ويخفف عنه آلامه ويشجيه، ولم ولن يتوقف قلبها عن النبض بحب وعشق فلسطين وإن كان الأمر في هذه الأيام ليس في فضاء الحرية وإنما من خلف القضبان، ولعل في تغريدها ما يوقظ النيام من أبناء هذا الشعب الذين فاتهم موعد الاستيقاظ خاصة وقد علت الشمس في السماء وهم لا زالوا يغطون في نوم عميق، أحلام تبتكر حياة جديدة وتحلم من جديد.. وتتسع ابتسامة أحلامها لإيمانها الراسخ بأنها ستنطلق يوماً من سجنها، وستنعتق من قيدها وستعود إلى الشعب لتضع بين يديه تجربتها الجهادية وحياتها في الأسر، ولتشارك في بناء الدولة الفلسطينية المستقلة وشعارها شعار كتلة التغيير والإصلاح أبناء الحركة الإسلامية 'يد تزرع وتبني.. ويد تقاوم وتحمي'.. ستعود أحلام إلى القدس وحارتها العتيقة، ستعود إلى الأقصى وساحاته، وسوف تمتلئ رئتاها بهواء الحرية المعبق بعشق الوطن وثراه ومقدساته... ما أجمل وأروع أحلام.. أحلام الزيتونة.. أحلام النخلة... أحلام السنديانة التي تشرفت بالحماس وقسامها، فكان منها الانتماء، وكان العطاء الذي أبهر الجميع، وسيكون لكل المهتمين شرف الكتابة عن هذه المجاهدة، عن هذه الماجدة، وإن غداً لناظره لقريب.
وأمام ما يقلق أحلام لما تشاهده وتقرأ عنه وتسمعه من استمرار الانقسام فإن ما يهمها وتتمناه أن تمضي السفينة الفلسطينية إلى شاطئ الأمان محملة بكل ألوان الطيف السياسي الفلسطيني، لذلك نراها هذه الأيام وهي ترقب جلسات الحوار الوطني في القاهرة، وترفع أكف الضراعة إلى الله عز وجل بأن ينعم علينا ويكرمنا بوحدة وطنية شاملة تعزز من ثقتنا، وتصلب من موقفنا وتصون كرامتنا وتحافظ على مقاومتنا.. وستبقى أحلام وعلى الدوام تنبض بعشق فلسطين.
سجن النقب الصحراوي

