الخميس 01 يناير 2026 الساعة 05:43 م

مقالات وآراء

الحرية المطلقة فوضى مطلقة

حجم الخط

بقلم: مصطفى الصواف 

 

عبارة لها من الواقعية والمنطقية الشيء الكثير، الحرية المطلقة فوضى مطلقة، صحيح نحن مع حرية الرأي والتعبير والتصوير، وحرية العمل الإعلامي بكل أشكاله وألوانه، ولكن أن يطلق العنان للصحفيين ووسائل الإعلام ليفعلوا ما يريدون, ووقت ما يريدون, وفي أي مكان يحددون، دون مراعاة لضوابط الأمن والسلامة والقيم المجتمعية, والحفاظ على السلم المجتمعي والمصلحة الوطنية العليا التي تقررها الجهات المسئولة, التي تعلم أين تكمن هذه المصلحة وهي من يحددها، وليس المصالح الخاصة للصحفيين أو المؤسسات الإعلامية هي من يحدد هذه المصلحة، لأن كلاً منهم يريد أن يحقق لنفسه مصلحة خاصة قد لا تتوافق مع المصلحة الوطنية العليا، لذلك يجب أن تتدخل الجهات المسئولة لتحديد الأمر.

 

لذلك عندما تتعارض المصلحة الوطنية العليا مع المصالح الشخصية يجب أن تقدم المصلحة الوطنية العليا، ونعتقد أن ما طالبت به الجهات الأمنية في حكومة الأستاذ إسماعيل هنية من وسائل الإعلام بعدم الاقتراب من أماكن الأحداث التي جرت في رفح أو التصوير في المستشفيات، هو حق تتبعه كل الجهات المسئولة في أي حكومة في الدنيا, وفي أعتى ديمقراطيات العالم، لأنها وحدها من يقدر المصلحة الوطنية العليا وكيفية الحفاظ على النسيج المجتمعي من أي خلل قد تحدثه بعض  الصور, والتي قد تظهر أشخاصاً في أي اتجاه كان يرفضون وترفض عائلاتهم أن يظهروا في هذه المواقف.

 

 ليس من المنطق عادة أن تبين الجهات المسئولة وتشرح الأسباب التي دعتها إلى اتخاذ هذه القرارات لوسائل الإعلام، والتي من المفترض أن تحترم قرارات الحكومة وجهاتها الأمنية وتلتزم بها، طالما أن القرار عام ويشمل الجميع دون تمييز، وهذا الأمر له علاقة بالأمن الداخلي للبلاد والأمن الشخصي للناس وحرماتهم، وقد تكون لأسباب تتعلق بسلامة الصحفي نفسه.

 

أنا أتحدث وأنا مثلكم صحفي, قد أكون متضررا من القرار الحكومي، ولكن القاعدة تقول إن الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف، وعدم التقاطي لصورة أو تصوير دقائق تلفزيونية صحيح يشكل ضرراً لي لوسيلتي الإعلامية، ولكن لو قيس هذا الضرر بالأضرار العامة لهان كثيرا، لذلك أنا لا أجد لهذه الضجة التي أثارتها بعض الهيئات التي تدافع عن حرية الرأي والتعبير, ومنح وسائل الإعلام الحرية التامة للقيام بعملها على أكمل وجه، مبررات منطقية ومهنية وأن هذه المؤسسات جانبها الصواب، ولا أعتقد أن قرارات الحكومة فيها ما يتعارض مع حرية الرأي والتعبير، وهي تركت لها الحرية للعمل في كل مكان من قطاع غزة, وتلتقي بمن تريد من محللين وشهود عيان ومسئولين، والمنع فقط كان في منطقة الحدث وداخل المستشفيات لضرورة قدرتها الحكومة.

 

لذلك ليس من المنطق هذا الذي جرى وهذه الانتقادات التي وجهت للحكومة ولقراراتها، ولا أريد هنا أن أوجه اتهامات لجهات معينة, وأعقد مقارنات وغير ذلك، ولكن كل ما أرجوه أن نكون متَّزنين ومنصفين, وأن نغلب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، وأن لا ننساق وراء أهوائنا ومصالحنا الخاصة, ضاربين بمصلحة وطن وشعب عرض الحائط، لذلك على هذه المؤسسات أن تأخذ دورها الحقيقي, وأن لا تعتمد سياسة الحرية المطلقة لأنها دعوة إلى فوضى مطلقة, ولا أعتقد أن هذا قصدهم.