الخميس 01 يناير 2026 الساعة 04:10 م

مقالات وآراء

منير شفيق

مفكر إسلامي عربي
عدد مقالات الكاتب [329 ]

مؤتمر فتح يكرِّس لا شرعيته

حجم الخط

بقلم: منير شفيق

 

لو اجتمع الإعلام الغربي والصهيوني والإعلام المشبوه عربياً وفلسطينياً، لما أمكن تنظيف المؤتمر السادس لحركة فتح، مما أصابه من التجاوزات في إدارته ونتائجه الانتخابية إلى حد الفضيحة.

 

الحقيقة متواترة، وناصعة، ولا مجال لإخفائها إلا بقدر إخفاء شمس أغسطس بالأصابع. وقد شهد شهود من الأهل ممن خضعوا، بصورة مباشرة، لتمرير عقد المؤتمر في بيت لحم، وبالتفاهم مع حكومة نتنياهو وتحت حراب الاحتلال وإرهاب الأجهزة الأمنية التي بناها الجنرال كيث دايتون، وقد سلّمت قيادها له في تفكيك خلايا المقاومة ومنع انتفاضة الشعب الفلسطيني ضد العدوان الإجرامي على قطاع غزة. فهذان العاملان وحدهما يسبغان الشبهات على المؤتمر ونتائجه، لأنهما يتركانه مؤتمراً تحت هيمنة العدو، ليتحرّك وهو مسلوب الإرادة في مواجهة القيادة التي تجاوزت كل القوانين الفتحاوية قبل انعقاده وفي أثنائه وبعده.

 

إن أول ما عزّز قبضة محمود عباس وفريقه على المؤتمر قبيل انعقاده بليلة، بل وفي أثنائه، إضافة المئات والعشرات بقرارات فردية من «الرئيس» (قبل أن تلفق عملية اختياره «رئيساً» لحركة فتح في أثناء جلسات المؤتمر). إن إدخال حوالي 800 عضو أغلبهم من الأجهزة الأمنية والموصى عليهم من فريقه ليطغى صوتهم الموحّد داخل المؤتمر على أصوات الأعضاء الذين اختارتهم اللجنة التحضيرية جعلهم يلعبون دوراً رئيساً في الشغب على كل من حاول مناقشة القضايا التي كان يتوجب على المؤتمر أن يبُت فيها، وأولها تقويم المرحلة السابقة، وتحديد المسؤول عما آلت إليه حال فتح، لأن هذا التقويم ضروري لكي يتمكن المؤتمر من تصحيح البوصلة والانتهاء من خط محمود عباس السياسي بالدرجة الأولى. فهذا الخط هو الذي أوصل الحركة إلى ما وصلت إليه. فهو الذي وضع بصماته على المرحلة الممتدة من استشهاد ياسر عرفات حتى انعقاد المؤتمر. وكان قد انقلب على ياسر عرفات ووضع بصماته على عزله وطعنه في الظهر وهو محاصر في المقاطعة، ورفع الغطاء الفتحاوي عنه، وما نجم عن ذلك من تداعيات أسهمت في تجرّؤ شارون على اغتياله، ثم ترك موضوع اغتياله تحت التشكيك أو المجهول.

 

هذه المجموعة هي التي تسمح بمناقشة اقتراح رئاسة المؤتمر بانتخاب محمود عباس رئيساً لحركة فتح، وقائداً عاماً لها (ولو بلا قوات مسلحة). فما إن طرح الاقتراح إلا ووقفت تلك المجموعة تصفق وتؤيد وتعْرض على كثيرين من الحضور أن يفعلوا مثلها خوفاً من العواقب، لأن كل فرد في المؤتمر كان تحت المراقبة، فقوات الأمن كانت بين الحضور كأسنان المشط في الشعر.

 

على أن الضربة القاضية لإفقاد المؤتمر ونتائجه الانتخابية أي شرعية جاءت من أحمد قريع (أبو العلاء) الذي شهد شهادة صارخة بأن العملية الانتخابية مرّت بمجموعة متواصلة من المخالفات والتدخلات والتلاعب، وجاءت مخالِفة لكل ما كان قد اتُفق عليه بالنسبة إلى إدارة المؤتمر أو إجراء عملية الانتخاب وفرز الأصوات. وقد سأل هل من قبيل الصدفة أن ينجح أربعة من رجال الأمن واثنان من المسؤولين في الاتصال بقوات الاحتلال؟

 

ثم تتالت تصريحات التشكيك في العملية الانتخابية من قيادات فتحاوية، وفي المقدّمة من قيادات قطاع غزة الذين لديهم أدلة لا تُدحض على التدخل الفظ الذي حرم العشرات من أعضاء المؤتمر في القطاع من الانتخاب، وبأوامر من الرئيس عباس نفسه أو بعدم إعطاء أوامر تضع حداً لهذا التدخل كما طلب منه.

 

وقد جاء الدليل الخطير الذي لا يُبقي مجالاً للشك في ما حدث من تلاعب لاسيما في الفرز، أولاً عندما أعيد فرز صندوق واحد مما أسفر عن إضافة صوتين للطيّب عبدالرحيم فأصبح من الناجحين. فإذا كان «الخلل» قد وقع في صندوق واحد فلماذا لا تكون الصناديق الأخرى حصل فيها أكثر؟

 

أما الدليل الأخطر منه فقد قدّمه «رئيس» فتح محمود عباس نفسه حين ضجّ المؤتمر بالتلاعب الجاري في فرز صناديق الانتخاب للمجلس الثوري فقرّر تشكيل طاقم جديد للفرز. مما يطعن من جهة في الطاقم الذي فرز أصوات صناديق اللجنة المركزية، ومما يطعن من جهة أخرى في كل الترتيبات التي حكمت العملية الانتخابية من قبل ومن بعد وحتى اليوم إلى آخر يوم: مؤتمر غير شرعي ونتائجه جميعاً غير شرعية.