السبت 27 ديسمبر 2025 الساعة 01:39 ص

مقالات وآراء

جحيم الزمن!

حجم الخط

بقلم د. خالص جلبي

 اجتمعت بصديق قديم قلت وأنا أتأمل تجاعيد رقبته رحماك ربي كم يفترسنا الزمن؟ قلت من جديد لاشك أنه يرى في ما أرى فيه؟ وقبل أيام رأيت مذيعة لم أرها منذ سنتين فأحسست أنها تقدمت عقودا في الزمن! قلت رحماك ربي الزمن يفترسنا؟ ولعلها مع كل المساحيق يدخل في روعها أن الزمن يفترسها مع كل ثانية تتك.. ها قد مضى على وفاة ليلى القديسة ثلاث سنين كأنها ثلاث لحظات؟ وأنا لا أصدق أهكذا يفترسنا الزمن وهو يضحك من عجزنا وقصورنا ؟ رحماك ربي.. ما هو الزمن ؟ لا أحد عنده الجواب؟ وكل واحد يشعر به! وكل واحد يعلم أن الله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه؟

يقول إقبال الزمن ليس دورة الفلك ولكن حالة النفس، فساعة غرام في أحضان عشيقة كأنها لحظة من عمر الزمن، وليلة تعذيب لمنكود وهو يحمل دولاب سيارة على أكتافه يستقبل حائط الجلادين وأنات المعذبين تذكر بصلب سبارتاكوس وثواره فيقول كم الزمن بطيء، والله يقدر الليل والنهار، واليوم عند الرب له مقاييسه فساعة هو ألف سنة مما تعدون وساعة هو خمسين ألف سنة مما تعدون تعرج الملائكة والروح إليه..

لقد ضرب آينشتاين ضربته فكسر الزمن بالسرعة وقهره بالضوء؟ إن من يزيد سرعته يلجم الزمن، ومن يسابق سرعة الضوء في 300 ألف كم في الثانية يقول للزمن: باي .. باي لقد قتلناك ونحن فرحين؟؟

فينظر الزمن كئيبا مفتَرسا مهزوما هزيمة ساحقة ما بعدها هزيمة بعد أن كان سيد المفترسين وجبار التآكل والموت ..

حياك الله يا آينشتاين لقد أفهمتنا بطريقة فيزيائية فكرة الخلود وقربت لنا الديانة بعد أن كفر بها الحداثيون !!

فإذا زادت السرعة عن سرعة الضوء رجعنا ننظر للزمن والأحدث مقلوبة ونحن نضحك على لزمن كما ضحك علينا؟؟ ها .. ها .. ها ..

يا نسبية أفيضي علينا من نور المعرفة؟ الزمن يا عزيزي نسبي فاليوم عند الرحمن ليس مثله عند الشيطان؟ والزمان في المشتري ومجرة درب التبان، ليس مثلها في مجرة الأندروميدا وسدم الجان؟؟

فإذا اعتليت ظهر كوكب لانهائي مساحته جنة عرضها السموات والأرض للمتقين توقف الزمن المفترس عن نهمهم مرة أخرى.. يا رب إننا نردد تلك الأمنية القديمة شجرة الخلد وملك لا يبلى .. ولا نريد وسوسة الشيطان نريد جنات الخلد تجري من تحتها الأنهار فنجتمع بمن نحب بدون فراق...

رباه أنقذنا من وحش الزمن الذي يفترسنا كل حين؟؟

أجاب صديقي المفكر الرستناوي على طريقته الساخرة:

و لأنه مغفل جدا ً قرر أن يسبق عقرب الثواني, و لكن عقرب الثواني هزمه..

قال: لا بأس , سأسبق  عقرب الدقائق

ولكن عقرب الدقائق دمدم: تك تك تك تك متبجحاً و تجاوزه سريعاً ...

قال لا بأس: سأسبق عقرب الساعات...

و لكن عقرب الساعات مرّ به سريعاً, و لم يتحسس حتى وجوده؟

أنزل ساعة الحائط المعلقة على الجدار, و نزع عنها بلورتها ثم نزع العقارب الثلاثة منها, و لأنه مغفل ظن نفسه قد انتصر.

نبتت ثلاثة عقارب جديدة, و بدأت الدوران..

بدا  عليه الامتعاض, فقرر نزع بطارية الساعة ليكسب المعركة و بشكل نهائي.

نزع البطارية , فتوقف قلب الساعة عن النبضان, و ذوى وجهها, و شحبت عروق الوقت, و حشرجت, ثم صمتت برهة, ثم عادت العقارب إلى الدوران..

استشار أصدقائه و حكيم القرية, فأشاروا عليه أن يحبسها, وأن يغلق عليها باب غرفة الصالون, و يرِّحل أثاث غرفة الصالون إلى غرفة النوم, و بعد  عدة سنوات نظر إلى الساعة من النافذة  فوجدها تدور  نفذ صبره تماماً,  فهوى بصخرة كبيرة على الساعة,  فتفتت أشلائها, ولكنها وبعد عدة دقائق ضمدت الساعة جراحها,عاودت الدوران!

اعتراه سؤال مفاجئ:

 كيف نهرب من جحيم الزمن؟

و كيف نوقف آلة الجنون عن الدوران؟!

حدَّق في الأفق البعيد..

ثم اعتراه صوت آذان قريب، و تذكّر مشهدا من طفولته؛ مشهد لمؤذن القرية ينظر إلى ساعة اليد,  قبل أن يرفع صوته للأذان...

لقد خلقنا للموت وآلته هي الزمن حتى تتغير الطبيعة ونعود إلى الجنة حينها يذبح الوقت ويسيل دمه قربانا للمعرفة الجديدة.. رحماك ربي أدخلنا جنتك التي وعدت المتقين.. إنه كان وعده مسئولا..