وهكذا .. انتهت حكـاية ثورة استمرت ما يربو على الأربعين عـاما بدأت بالكفـاح المسلح وانتهت بالغدر والخيـانة , ليس من المحتل الصهيوني الذي قاتلوه كما هو دارج في معظم ثورات العـالم , ولكن ممن ادعى أنه شـارك في معـارك وصولات وجولات في تـاريخ هذه الثورة , ممن يسمون أنفسهم بقـادتها المؤسسين الذين أغرتهم الدنيا وزينتها فبـاتوا أعوانا للاحتـلال .
هذا ليس حكما على حركة بلغت من العمر عتيا 'معاذ الله' , لأن الذي مثلي لم يكن موجودا على وجه هذه الأرض عندما انطلقت الرصـاصة الأولى معلنة الكفـاح المسلح , لكنها الحقيقة الواضحة التي تجلت في مؤتمر عقد بعد عشرين عـاما بشق الأنفس , ويا ليته لم يعقد , حركة تحرير قُضي عليها بـ'جرة' قلم خطها ولي الأمر , بأن المؤتمر سيعقد على أرض الوطن , فأي حركة هذه التي تدعي التحرير والوطنية تجتمع على أرض محتلة من كل مكـان , من السمـاء و الأرض , لم أقرأ يوما في حيـاتي عن تنظيم أو حركة أو جمـاعة تحرير , تأخذ تصريحـا من الاحتلال الذي يحتل أرضها حتى تقـاومه وتتخلص منه !! هل الاحتلال مغفلا أم وجد لهذا الأمر ؟ كيف تعقد حركة فتح مؤتمرها السـادس تحت حراب الاحتلال ثم تدعي المقـاومة والتحرير , وكـان بمقدورها أن تعقد هذا المؤتمر في دولـٍ عربية مجـاورة أو حتى في قطـاع غزة كما عرض عليها من قبل حماس , وتنـال شرف التحرير الذي يتوسط اسم تنظيمها .
ألم يقل القـائد العـام لحركة فتح محمود عبـاس قبل عقد المؤتمر بأسـابيع , أنه إذا مُنـع فرد واحد من أعضـاء المؤتمر من الخـارج فلن يعقد المؤتمر , ما الذي تغير ؟ كيف وقد علمنا أن المؤسسين من حركة فتح وأصحـاب الوزن الثقيل , أمثـال فاروق القدومي ومحمد جهـاد منعوا بالقصد من الحضور أولا لأنهم لا يؤمنون بفكرة عقد المؤتمر في الداخل تحت حراب الاحتلال , وثـانيا لأنهم لم يتلقوا أي اتصال أو دعوة رسمية من أحد , كما قـال محمد جهـاد كونهم أعضـاء لجنة مركزية أعلى هيئة قيـادية في الحركة ؟ لمـاذا !! وبالطبع هناك العشرات من قيـادات وكوادر فتح منعوا أيضـا عمدا وبدون عمد .
النقطة الأخرى .. الاعتراف بالأخطـاء , طرحوا في مؤتمرهم العديد من الملفـات السـاخنة التي أدت إلى تشويه صورة حركة فتح وخسـارتها أمام حمـاس في انتخابات المجلس التشريعي 2006 وسقوط سلطتها في قطـاع غزة جراء التجـاوزات والمصـالح الضيقة والخيـانات والسرقات التي كانت تحدث داخل أروقة ومؤسسـات الحركة , فأصبحت فتح شركة استثمـار وبنك ربوي تجبى منه الأموال بل وتنهب منه الشيكـات بالملايين لحساب فلان وعلان , حتى إن قائدهم المغدور ياسر عرفات الذين عنونوا المؤتمر باسمه وتباكوا عليه أمـام شاشات الإعلام لم يطرحوا ملفه بشكل جدي كما هو مطلوب , والتقارير كلها تؤكد تواطأ بعض قيادات فتح في جريمة اغتياله , والتهميش الواضح في لجـان التحقيق المخصصة لمعرفة حيثيات وفاته , لأجل ذلك طرد البعض واعتدي على الآخر عندما أرادوا طرح هذه الملفـات , التي تعتبر من أهم الملفـات التي أدت إلى تراجع شعبية فتح وتأكلها وانقسامها إلى تيارات يبحث كل منهم على لسـان العصفور .
هذه هي الديمقراطية الفتحـاوية التي يتغنون بها !! إذا ما الفـائدة من المراجعة والمحـاسبة ؟ ما فائدة الاعتراف بالخطـأ ؟ جميل أن يعترف الإنسـان بكل أخطآه , لكن ما الفـائدة إذا استمرَ واستمرأ الخطأ ؟ الديمقراطية الحقيقية أيها الفتحـاويون , أن يتم الاعتراف بالخطـأ والتعلم من هذه الهفوات , أن يصححها الإنسـان وأن يحـاسب المذنبين , أن نحـافظ على صفوفنا نظيفة من الشوائب , وأن نجدد شباب الحركة , لا أن يضم المجلس الثوري بين أعضـائه يهودي !! أين هم شباب فتح , أين الغيورين على هذه الحركة , ألأجل هذا استشهد الشهداء واعتقل الأسرى .
الغريب في الأمر أننا نجد المتورطين والمشتبه بهم ومن عليهم أصـابع الاتهام يحضرون المؤتمر , بل ويرشحون أنفسهم للجنة المركزية والمجلس الثوري !! ويزكى بعضهم وعلى رأسهم قائدهم الأبرز الذي تحوم عليه الشوائب ليكون مرة أخرى قـائدا عـام لحركة فتح بالتزكية !!
أي اعتراف بالخطـأ هذا ؟ هل حصلت محـاسبة لهؤلاء ؟ هل عُوقب الذين شوهوا صورة فتح وألصقوا بها تهم الفسـاد ؟ عمليا هي محـاولة لامتصاص حـالة الغضب الفتحـاوية بقولهم نحن قوم ارتكبنا أخطـاء , وخير الخطـاءين التوابون , ونفهم من ذلك 'أن الاعتراف بالخطـأ في عقيدة فتح' لن يؤدي إلى مراجعة أو محـاسبة أو عقـاب لهؤلاء الذين دمروا هذه الحركة التي قـادت الشعب الفلسطيني لعشرات السنين , وقدمت العديد من الشهداء والأسرى , ليأتي مؤخرا من ارتبط بالعدو الصهيوني ليتـاجر بهذه الحركة وتضحياتها , ويقودها إلى حيث لا رجعة ولا تحرير ولا مقـاومة ولا وطن ولا فلسطين , وكل هذه الشعـارات الزائفة التي لا تجدي نفعا مع احتلالٍ صهيونيٍ لا يقبل بها أصلا , لأنه اتخذ من هؤلاء مطية يحقق من خلالهم مشـاريعه التدميرية والاستيطانية .
حتى لا أكون متشـائما أكثر من اللازم برسم صورة سوداوية لشعبنا الفلسطيني , لنطمئن .. نعم , فقدر الله نـافذ , والله لا يخلف وعده , فأما الزبد فيذهب جفـاء وأما ما ينفع النـاس فيمكث في الأرض , فهذه أرض مقدسة , وما حولها مبـارك , لا يعمّر فوقها فـاسد ولا يمكث فيها خـائن , فكلكم تذكرون في أواخر الثمـانينيات وأوائل التسعينيات عندما جـاءت سلطة الحكم الذاتي إلى الأرض المحتلة بنـاء على اتفاق اسلوا المشؤم , تذكرون وقتها عندما أُغدق المـال الوفير على حركة فتح وأُملّوا بالدولة والسيـادة والحرية , حينها استخف قوم بخيـار المقـاومة ووصفوه بغير المرحلي و لا الواقعي , واستبدلوه بخيـار العبث والمفـاوضات , فنسوا أنفسهم وأنسـاهم الشيطـان تلك الرصـاصة التي انطلقوا من أجلها لتحرير وطنهم , لكن الله تعـالى يمهل ولا يهمل , ولا يترك عبـاده المؤمنين لثلة أغرتها الدنيا وبريقها , فانطلق المـارد الإسلامي بقدر الله تعـالى يشق عباب البحر المتلاطم الأمواج , حتى وصل اليوم إلى ما وصل من مرحلة يصعب على كل العـالم تجـاوزها , إنهـا مرحلة حمـاس والمقـاومة , مرحلة بدأت ولن تنتهي بإذن الله إلا بتحرير أرضنا وتطهير مقدسـاتنا من رجس الاحتلال وأعوانه .
بقلـم / محمـد سـلامة
