الإثنين 29 ديسمبر 2025 الساعة 03:00 م

مقالات وآراء

السيد الرئيس أعانك الله(27)

حجم الخط

بقلم: د. عطالله أبو السبح

 

استكانت السلطة ودانت (للملك) فلقد أغدق عليه عرفات بالامتيازات والصلاحيات، فهو الذي حقق الإنجاز الأعظم في تاريخ السلطة ، إذ استطاع بأنياب أحد من أنياب سمك (القرش) وطرائق تحقيق أشد قسوة من محاكم التفتيش، وأقسى من نهش الكلاب (المسعورة)، أن يمزق (ظاهراً) حركة حماس ، وأن تصل كرابيجه إلى جلود صفوة رجال الأمة وشبابها ، وأقل القليل من نجا ، تلك حقبة من أشد الحقب سواداً في تاريخ الحركة، وهي التي تقف جسدا متراصا أمام المشروع الصهيوني ، الذي يسعى إلى تدجين الفلسطيني ، ويلحقه بالمطأطئين ، والخانعين  والوالغين في حياضه الآسنة  العفنة ، هذا إن كان في موقع صناعة قرار ،وأما إن كان غير ذلك فلا أقل من السكوت ، والرضا بالبديل (كارت ممغنط) للعمل في بناء الكيان (اقتصادا ، زراعة ، مستوطنات....)  وهدفاً سهل السقوط في عين تل أبيب ، ولم يستعصِ الأمر إلا على الواعين للخطر ، الرافعين لواء المقاومة ، الذائدين عن مستقبل الأجيال وكرامتهم ، وكانت حركتك في مقدمة أولئك الواعين ؛ عجموا عودها، فوجدوه يابسا ولا (القتاد) واستثنوها فلم تنثن ، فنشبوا أظفار الجوع في أمعائها ، فلم تمت جوعا ، استمالوها فلم تمل ، إذن فلتفتح السجون أبوابها ، ولتلقف رؤوس هؤلاء المتمردين، وقد كان....

 

كانت سجون الوقائي حديث الناشئة ، تسعى بهم إلى الذبول ، فالهشيم ، وهم يحرصون أن ترى فيهم عشاقا للحرية ، حماة للكرامة ، ولا تلين لهم قناة... فاشتعلت حربا بين الناب واللحم ، بين النار والشحم ، بين المطرقة والمفصل ، بين الجوع والأحشاء، اشتعلت حربا بين المخرز والكف، بين دحلان والهلال ، فأخذت سياط (الأبعد) تفلق الهواء ، قبل أن تفلق أجساد الأحرار حتى ليصل الأمر بأحد كلابه (المحقق هشام؛ الدميم ولا ضفدع ) أن يضرب رأس إبراهيم المقادمة ووجهه مئات الضربات المتتابعة ،المتتالية ، بواسطة (شبشب) بلاستيكي ، وهو مكتوف الأيدي إلى الخلف ، معصوب العينين ، والقيد أدمى قلبه على إخوانه ، الذين تشويهم نيران كرابيج مستشار الأمن القومي القوي ؛ أبي فادي . كان يفيق الشباب من إغماءة ليعودوا إليها ، وفي الحالين لم يتوقف الكرباج، ولا الشبشب، ولا الجنازير ، ولا القيود ، كما لم يتوقف تحطيم العظام ، كما سحق الكرامة ، وبلغ الأمر (بعوض سلمي ) الذي أذاق اليهود كؤوس المنون والردى ، أن يجلس لساعات وساعات ذاهلا، زائغ النظرات ،ثائر الرأس ، يتفقد جلده الذي أمسى بلون ليل الظالمين ، ويتفقد رأسه الذي امتلأ بالأورام، فهناك ورم كبير ,وهنا ورم أكبر ، وما بينهما ورم أكبر منهما ... يتفقد عنقه ، فلا يكاد يحركه ... عيناه منتفختان زائغتان ، ولو بكى لسالت دماء... يتفقد شفته، التي شقها – طولا – جرح غائر ، ملتهب ، على جانبيه بؤر صديدية ... إن جسم عوض كان يحمل (توقيع) دحلان في كل مكان منه، وكان - رحمه الله – إذا نظر إلى قدميه أنكرهما ، بل هما قدما فيل مقرحتان ، وألوان مزيج الدم والصديد ، بائنة ، متقاربة ، متباينة .

 

إذن فأبو فادي هو القوي ، وحق له أن يتيه غرورا ، ويملي على زعيمه ما يريد ، كان يمشي كما (الشنار ) ويضحك بسعادة ، دونها سعادة (ثمل ) وإذا ما تكلم خرج الكلام من منخريه متزاحما ، مشروخا ، أخنف ؛ ورأى فيه الزعيم أنه الأقدر على حماية المشروع الوطني ، والحلم الوطني ، والكرامة الوطنية ، حتى النصر حتى النصر حتى النصر، ويرفع شبل فلسطيني وزهرة فلسطينية، العلم الفلسطيني على أسوار القدس ، ومآذن القدس ؛ الأمر الذي أغراه بالمزيد ..... شاب في صباه ، يطيح بحركة (دوخت ) الاحتلال ، وزرعت - في قلوب جنده- الموت ، وأشباحها هجرت مباهج الحياة عن أمنياتهم؛ هذا ما ملأه غرورا فاجرا ، وفجورا مغرورا ، حتى أمسى وصمة عار على جبين فتح ، التي يذكر لها أنها الحركة القائدة لسنوات للعمل الوطني ، والتي سقط قادتها على مذابح الحرية، أبو جهاد ، أبو إياد ، أبو الهول ، الكمالان ...والقائمة طويلة طويلة ، فأن يختمها دحلان بما ختمها، فذاك هو العار. كان عوض سلمي أحد أبطال حركتك ، وصاحب اسم له فعل الزلزال في قلوب الصهاينة ، جعله دحلان على الحال التي وصفت ... وغيره وغيره ، لم يسلم مؤسس ، ولا بطل من أبطال مرج الزهور ، ولا شيخ ولا صبي ، أو شبل ، ولا مكتبة مسجد أو خاصة ، ولا دار يتيم ، أو جمعية تقدم الخير لذوي الأسرى ، أو أرملة شهيد ، أو ثكلى ، أو يتيم ، إلا أغمد فيها أبو فادي نابه ، بعد أن زرع في ذهن أبي عمار ، أو أن أبا عمار هو الزارع ، أن (هؤلاء) يدبرون لقتله ، وخرج الرجل على وسائل الإعلام يعرض(صاروخ لاو) الذي ضبطه أبو فادي ، وهو على وشك الانطلاق، نحو (روح) عرفات ، فكأنها كلمة السر، فما أن سمعها زبانية جهنم حتى انطلقت ؛ لتحرق ، وتدمر ، وتسحق ، وتشبح ، وتجلد ، وتمزق ، وتحطم ، تعض هذا وتمزق ذاك ، وصلت إلى ما لم تصل إليه كلاب يهود المدربة ؛ إلى مخازن الأسلحة ،وصانعيها إلى (براميل ) الزئبق ، إلى المتفجرات ، إلى المخارط ....ووضع كل ذلك في خانة المؤامرة (قتل عرفات )، قبل أن يقتل عرفات ... أوغر دحلان قلب عرفات ، وأوغر عينيه، وقلبه ، وحواسه ، وأوغر ذاكرته وصلاحياته ، فلم يعد رئيسا للكل الفلسطيني ، وكان شأن الرجل مسلوبا ، مسحورا ، فالرأي ما يراه دحلان , وما تراه عين دحلان فهو الحق ، ودونه محض افتراء وكذب ، البريء هو من برأه دحلان ، والمدان هو من أدانه ، والعدو من عاداه ، والصديق من صادقه ، الشريف من شهد له بالشرف ، ومن شهد عليه ،فالويل له الويل له الويل له ، كانت تلك السنة سنة الفواجع والتردد والأسى ، كما أنها كانت سنة العزيمة والإصرار على المضي على درب الخالدين، كم بكى حر غيور ، ما سالت له دمعة حتى على فراق فلذة كبده ، أو أبيه أو أمه أو الشقيق ، ولكن قهرا وكمدا ولوعة وأسى ، بكى على الكرامة التي يسحقها شاب في صباه ، وتنحني له النياشين والنجوم وأنواط الشرف، كان رمز الرمز.... ومع كل هذا لم تطامن حركتك ، ولم تربط على يد أحد من أبنائها السيف ، بل اندفعوا أكثر إيمانا ، ويقينا ، بأن ليل الطغاة – وإن طال – فإلى زوال .

 

أراني في حاجة ماسة إلى التوقف ، فلتأذن لي به ، لأعود إلى الحديث في يوم غد إن عشت (أنا ) لغد بمشيئة الله ،،،،