السبت 27 ديسمبر 2025 الساعة 03:40 ص

مقالات وآراء

عباس وخطاب المؤتمر السادس

حجم الخط

بقلم: مصطفى الصواف

تميز خطاب رئيس حركة فتح محمود عباس أبو مازن بأنه كان يشبه المحاضرة التاريخية التي استعرضت تاريخ حركة فتح بشكل نظري، ولم يحمل تصوراً سياسياً جديداً يعبر عن توجهات حركة فتح للمرحلة القادمة بقدر توضيح وجهات نظره الشخصية في الموضوع السياسي، وقدم دفاعاً عن اتفاق أوسلو، وعزا فشله إلى الجانب الإسرائيلي، إلى جانب وجود عوامل تدميرية في الاتفاق السري الذي هندسه عندما وقع الاتفاق مطمئنا إلى طبيعة يهود وسياساتهم وهذا دليل على أن مهندس الاتفاق لا يملك قدرة على فهم الآخر ويفتقد لعنصر التخطيط الذي يوصل إلى نتيجة رئيسية يريدها الشعب الفلسطيني وتتم عن طريق التحرر ثم إقامة الدولة.

كان واضحاً في خطاب عباس أنه تحدث مطولاً عن الدولة وتجاهل بشكل متعمد فكرة الحديث عن التحرير، وكأن الدولة يكون الحديث عنها قبل الحديث عن التحرير، وأسند فكرة الدولة الفلسطينية وإمكانية تحقيقها على الأرض إلى المفاوضات مع الإسرائيليين وهي نفس الخطيئة التي اعتمد عليها في اتفاق أوسلو، وهي النوايا الطيبة للإسرائيليين، وزاد في ذلك عندما أشار إلى كل العالم اليوم يطالب بضرورة قيام الدولة الفلسطينية، وحاول في هذا السياق الحديث عن دولة على حدود 67 وأن تكون عاصمتها القدس الشريف، و(الشريف) هذه لها مداليل تختلف عن إطلاق القدس بعموميتها، وتعني القدس الشريف في المفهوم الصهيوني والأمريكي هو الأماكن المقدسة الخاصة بالمسلمين.

لم يتحدث أبو مازن بشكل يوضح عن وجهة نظر حركة فتح التي يتزعمها في القضايا الرئيسية مثل اللاجئين وحق العودة وركز على موضوع الحل العادل لقضية اللاجئين ولم يذكر حق العودة؛ لأن أبو مازن في أدبياته يرى أن إمكانية العودة للفلسطينيين إلى مدنهم وقراهم باتت أمراً مستحيلاً وهو يسلم بهذه الافتراضية التي دحضها الدكتور سليمان أبو ستة في العديد من المحافل والدراسات.

تحدث أبو مازن عن اعتراف واضح كريستالي بدولة يهود، عندما قال عن نتنياهو رئيس الدولة جارتنا، وهو بذلك أسقط قضية التحرير لأرض فلسطين وأسقط حتى ما يسمى الشرعية الدولية في نقطتين الأولى حق العودة وفق قرار 194 وقرار التقسيم 181 الصادرين عن الأمم المتحدة.

 

أبو مازن وضح بشكل كامل لا يقبل التأويل  شكل المقاومة التي يريد وضرب مثالاً بما يجري في بلعين من تظاهرات ضد الجدار وسقوط عدد من الجرحى، وهذه هي المقاومة التي يريدها عباس وهي المقاومة التي تتفق والشرعية الدولية، مقاومة لا تعبر عن شعب محتل ومشرد، تنكر للمقاومة المسلحة، وهذا منهجه، وهو يسفه المقاومة المسلحة، ويعتمد على ما يسمى بالمقاومة المدنية، واعتماد التفاوض للوصول إلى تحقيق الدولة الفلسطينية كما يريد ووفق الرؤية الإسرائيلية الأمريكية، ويعتبر ما يجري في الضفة من تنسيق أمني وملاحقة المقاومة، هو نوع من تعزيز السلطة من خلال حديثه عن سلطة واحدة وسلاح واحد، واعتبر أن أسلحة المقاومة والمقاومين هم عناصر فوضى أمنية وفلتان، علماً أن من كان يقود الفوضى الأمنية والفلتان في قطاع غزة كان على أيدي ما يسمى السلاح الواحد وهو سلاح الأجهزة الأمنية، وليس سلاح المقاومة التي يعتبرها عباس بأنها عبثية وتجر على الشعب الفلسطيني المصائب والنكبات.

أبو مازن كما كان متوقعاً تحدث عن أبو عمار بإسهاب كبير جداً عن عمد، ويهدف من خلال هذه المساحة من خطابة الطويل جداً هو الدفاع عن نفسه، ولكن بشكل غير مباشر وفي هذا الدفاع هو يرد على اتهامات فاروق القدومي، وكان الأمر واضحاً عندما وجه خطابه إلى وقف متاجرة المتاجرين بدم عرفات، وهو يقصد بذلك فاروق القدومي، وتحدث عن التحقيق المستمر للبحث عن الحقيقة حول موت ياسر عرفات وتحدث عن لجنة، وكأن السنوات الخمس التي مرت على وفاة عرفات لا تكفي لكشف الحقيقة، وأن فتح سوف تكشف كل الحقائق أمام الشعب الفلسطيني لو كان هناك حقائق ولم نعرف إن كان التحقيق سيستمر عشر سنوات أخرى.

انتقد محمود عباس حركة حماس وعاد إلى نفس السياسة السابقة واستخدم عبارات قديمة انقلابيين وظلاميين إقصائيين ودمويين وقتلة، وبين أنه قدم كل ما يجب أن يقدمه لحماس عندما فازت في الانتخابات، زعم أنه شكل حكومة ظل وأصدر قرارات تنزع أي مسئولية من وزارات الحكومة، وتحدث عن مسرحية اغتياله وشارع صلاح الدين ومنزله وهو ما يسمى الأنفاق، وهذه الاتهامات لم يثبت صحتها، إلا أنه كررها للنيل من حماس، تحدث عن إلقاء الناس من أعالي الأبراج والحقيقة قالها الناطق باسم قوات الأمن الوطني قبل حزيران 2007 عندما اعترف أن فتح هي من ألقت المواطنين عن أعالي الأبراج والشهيد أبو قينص الذي اعترف توفيق أبو خوصة أن فتح والأجهزة الأمنية هي من ألقاه عن برج في غزة ظناً منهم أنه من حركة حماس رغم أن الشاب من المؤيدين لحركة فتح ومشكلته كانت أن له لحية، ولم يذكر الجرائم المختلفة التي ارتكبت من قتل، وحرق، واختطاف، وقتل، واكتفى بالقول أن هناك أخطاء.

واستعرض في أكثر من مكان وفي أزمان مختلفة على طول خطابه العلاقة بين فتح وحماس والانتخابات والعلاقات مع الفصائل غمز فيها ولمز حتى أنه قال أن مشعل اعترض على أن محمود عباس أقنع دولة أوروبية لاستقبال هنية والمقصود هو الإيقاع بين هنية ومشعل علماً أنه يدرك أن هذا يسيء له، و معلومة الإقناع بحاجة إلى تيقن وتثبت.

في الموضوع الداخلي ادعى أن 52% من ميزانية السلطة تصرف على غزة، وهذه بالمنطق السليم وبالحسابات الدقيقة بعيداً عن الحقيقة، لأن فتح عفواً السلطة رفعت يدها عن غزة وكل ما تدفعه هو رواتب المستنكفين وبعض الموظفين من أبناء فتح، إضافة إلى الأموال التي تصب على حركة فتح في غزة.

نقطة أخرى هي مفاوضات الحوار لعقد مصالحة، حمل عباس حماس مسئولية الفشل علماً أن الراعي المصري وصل إلى قناعة عكس ذلك بعد الجولة السادسة، وبدا واضحاً أن عباس كان كل ما يسعى إليه من وراء الحوار هو الوصول إلى قصة الانتخابات وليس المصالحة، وموضوع الانتخابات بالتفكير السليم والمنطق السياسي لا تستقيم في ظل الانقسام والخلاف وأقل ما يقال في ذلك هو غياب الثقة بين الجانبين.

حاول أبو مازن تقليد ياسر عرفات خلال خطاباته وهو المداعبة، والتي لم يوفق بها كثيراً؛ لأنه لم نعهده في خطاباته المختلفة ينهج هذا النهج، وخاصة في موضوع المرأة ومكانتها ويشعر المستمع أنها مبتذلة ومصطنعة.

في الختام خطاب أبو مازن لم يحمل جديداً، ولم يقدم سياسة وبرنامجاً سياسياً للمرحلة القادمة، وكل ما قدمه كلام قديم مكرر واستعراض تاريخي وتمجيد بالمرحوم ياسر عرفات حتى يستميل عقول وقلوب المتشككين ويمسح ما أثاره القدومي، ونسي أبو مازن موقف أبو عمار الحقيقي منه والذي يعلمه أنصار فتح الذين خرجوا في لحظة من اللحظات إلى المقاطعة لمهاجمة أبو مازن والاعتداء عليه بالعبارات والشعارات وتوج ذلك بإطلاق النار عليه في خيمة عزاء المرحوم عرفات في قطاع غزة.