ياسر الزعاترة
من الصعب وضع بعض الدعوات العربية الرسمية إلى التواصل مع الإسرائيليين من أجل تشجيعهم على السلام خارج سياق الضغوط الأمريكية الرامية إلى دفع الأنظمة العربية نحو تطبيع مجاني ومبكر مع الدولة العبرية، وهي دعوات بدأت تأخذ شكل الضغوط المباشرة كما ورد في بعض تصريحات وزيرة الخارجية الأمريكية الأخيرة، فضلاً عن اتصالات مباشرة من طرف الرئيس الأمريكي نفسه مع بعض الزعماء العرب.
حجة هؤلاء تتمثل في أن الإسرائيليين لا يستمعون إلا لوسائل إعلامهم وسياسييهم، وبالتالي فهم ينظرون بعدائية لجميع الفلسطينيين والعرب، الأمر الذي ينبغي تغييره عبر الاستثمار في التواصل معهم. وفي حين لم يصرّح أولئك القوم بالطرق التي ينبغي التواصل من خلالها مع الإسرائيليين، فإننا ندرك ويدركون أن ذلك سيتم من خلال عمليات تطبيع مختلفة الأشكال والأحجام، وليس فقط من خلال الحديث إلى وسائل إعلام إسرائيلية، إذا كان ذلك ممكناً بغير طريقة الإعلانات التي استخدمتها السلطة عندما قامت بنشر نصوص المبادرة العربية على صفحة كاملة في عدد من الصحف الإسرائيلية تزينها أعلام 57 دولة عربية وإسلامية ستنفتح على الدولة العبرية بمجرد قبولها بتلك المبادرة، مع العلم أن الجزء المتعلق بحق العودة في المبادرة قد جرى شطبه في إعلانات علقت في بعض الأماكن في الأراضي المحتلة عام 48، مع أنه ينص على حل بالتوافق، الأمر الذي يعني شطب ذلك الحق من الناحية العملية كما تفهم الأنظمة العربية، ويفهم الإسرائيليون كذلك، وإن طالبوا في سياق الابتزاز بإعلان التنازل الكامل عنه.
والسؤال الذي يطرح نفسه في مواجهة هذه الدعوات هو: هل ثمة حقاً مشكلة في التواصل مع الشعب الإسرائيلي، وأن هذا الأخير لا يعرف ما الذي يريد العرب والفلسطينيون؟ يدرك المعنيون أن الجواب هو لا، بل لا كبيرة، لأن الإسرائيليين يعرفون تماماً ماذا يريد الفلسطينيون، وهم يقرءون مقابلات مع زعمائهم، كما أنهم يدركون أن أعلى سقف طالبت به منظمة التحرير ومن ورائها الأنظمة العربية منذ عقود هو قرارات الشرعية الدولية، ثم جاءت المبادرة العربية لتعود خطوة إلى الوراء بنصها على أن ملف اللاجئين يحل بالتوافق، كما أنهم يستمعون إلى كتاب إسرائيليين يطالبون بالسلام ويشجعون عليه، في ذات الوقت الذي تتوفر جمعيات تنقل بعض الحقائق، مثل تلك المتعلقة بالاستيطان (جمعية بتسيلم مثالاً)، أو التي تتحدث عن ممارسات الجنود الإسرائيليين (منظمة كسر الصمت).
هناك أيضاً مواقع من عرب 48 تتحدث بالعبرية، كما أن هناك نواباً عرباً في الكنيست يقولون كل شيء يريد أن يقوله الزعماء العرب، فضلاً عن الجدل الدائم في الصحف ووسائل الإعلام الإسرائيلية حول السلام وجدواه، والخلاصة أنه ليست ثمة حقائق خافية على الجمهور الإسرائيلي، وميله الأخير لليمين ليس جديداً، فلطالما تنقل المزاج الشعبي من اليمين إلى اليسار في الدولة العبرية، من دون أن يتغير الخطاب العربي الذي بقي على حاله منذ أكثر من أربعة عقود، عندما اعترف العرب بالقرارات الدولية، وصار مطلبهم العزيز هو دولة فلسطينية على الأراضي المحلة عام 67، للجمهور الإسرائيلي مطالبه من عملية التسوية، وهي مطالب لا يقبل بها أي فلسطيني أو عربي، أعني من أولئك الذي قبلوا بمنطق قرارات الشرعية الدولية، وليس من أولئك الذي يؤمنون بأن فلسطين كل فلسطين من البحر إلى النهر لا يمكن إلا أن تكون عربية إسلامية، وبحسب المنطق الصهيوني على الفلسطينيين أن يقبلوا بتلك المطالب حتى يكونوا بشراً طيبين يستحقون جيرة شعب الله المختار. ولعل الإجماع الذي حظي به خطاب نتنياهو في جامعة بار إيلان حول تفاصيل الدولة الفلسطينية التي يعرضها يشكل دليلاً على ما نقول.
خلاصة القول هي إننا إزاء دعوات للتطبيع المجاني مع أسوأ أنواع اليمين الصهيوني، ومهما حاولت تسويق نفسها عبر شعارات براقة، فإنها لن تفلح، لأن جماهير الأمة تدرك الحقيقة أيما إدراك.
