بقلم : د. مصطفي محمود
في كلمه موثره خاطب مانديلا الجموع المحتشده من شعب جنوب افريقيا عن المخازي التي كانت ترتكبها حكومات الاقليه البيضاء وعن اقوال الشهود في محاولات اباده السود في الماضي عن طريق عقاقير منع الحمل وعن طريق القتل الجماعي بالاسلحه الميكروبيه والبيولوجيه والكيميائيه التي اشترك في صنعها علماء متخصصون من المانيا وامريكا وبريطانيا وكندا والتي اباحت حكومات اوروبا وامريكا تسليمها للحكام البيض وافتضح امرها.
وقال في تاثر.. انا لا اكشف هذه المخازي رغبه مني في الانتقام او في الرد بالمثل وانما لاثاره كوامن الندم والتوبه عند الاطراف التي كانت تحركها العنصريه البغيضه لقتلنا وابادتنا.
وقال.. نحن لانرغب في تصفيه حسابات وانما نرغب في تصفيه نفوس.. نحن نريد ان نعلو علي الالام ونرتفع علي الدنايا ونطوي هذه الصفحات السواء لنبدا عهدا اكثر انسانيه واكثر طهرا.
ونسي مانديلا وهو يطوي صفحات هذا الماضي الاليم.. ان هذا الماضي الاسود للعنصريه لم يمت ولم يندثر وانما مازال شاخصا في حاضرنا.. وان مذابح قتل الملايين في بوروندي وزائير كان ورائها عملاء تساندهم اياد فرنسيه وامريكيه تتنافس علي ميراث القاره الذبيحه.. وان ما يجري الان من حروب في جنوب السودان هي صليبيه يمولها الغرب لتمزيق القاره واقتسام غنائمها.. وان الصهيونيه التي تهدم بيوت الفلسطينيين في القدس الان هي عنصريه اخري يباشرها اليهود الذين يرفعون شعارات الجنس المختار ويباشرون القتل باسلحه امريكيه ومسانده امريكيه لطرد العنصر الفلسطيني ومحو الطابع العربي من المنطقه.
والترسانه الذريه والكيميائيه والميكروبيه التي اعدتها الايدي اليهوديه الحاقده تجثم الان علي انفاس العالم وتهدده بالخراب.. ومحاوله اباده المسلمين في البوسنه وكوسوفا.. جرائم اليمه يتابعها كل قارئ للجرائد.
العنصريه البغيضه ليست ماضيا وانما هي صيحه اليوم.. وهي شعار الساعه.. وجريمه اللحظه.
واثام العنصريه ليست ماضيا يدعو للندم والتوبه والتكفير وغسل الايدي.. وانما هي صيحه اليوم وجريمه اليوم التي تدعو الي التحقيق الفوري واعتقال الايدي الاثمه المتلبسه بالجرم.. فالدم يسيل والاطراف تبتر والبيوت تفجر والاجنه تقتل في الارحام.. والعالم يتفرج في برود.. والكبار يرشفون فناجين القهوه ويقرئون الاخبار ويتثائبون كانهم يشاهدون فيلما اجنبيا لا علاقه لهم به.
اننا شهود ماساه دمويه وحضور جريمه مروعه.
والكل مسئول والكل محاسب.
وامريكا تقف من وراء اسرائيل لتضمن لها تفوقا ومددا من السلاح اكبر من مجموع ما عند الدول العربيه مجتمعه ثم تضيف لرصيد اسرائيل المدمر بقشيشا من القنابل الذريه والصواريخ حاملات الرئوس النوويه وترسانه كيميائيه وترسانه ميكروبيه وغواصات ومقاتلات.. ومسانده في الامم المتحده.. وزخما اعلاميا يدافع عما تباشره من ظلم وانتهاك للعداله واحتلال القدس وتشريد للفلسطينيين.
يحدث هذا علانيه ودون حياء.. وتسمي امريكا ما تفعله بالنظام العالمي الجديد.
وبوش يقود حرب الخليج ليستولي علي البترول وليبخس سعره من ثلاثه وعشرين دولارا الي عشره دولارات للبرميل وليحول الخليج الي قاعده امريكيه يدفع العرب نفقاتها اولا باول من جيوبهم.. في اول نموذج تاريخي لمحتل يدفع نفقات احتلاله عن رضا وطيب خاطر..
واين العراق.. اقوي دول المنطقه.. واين ماتبقي من جيشها..؟
انها تحت الحذاء الامريكي وتحت القهر الامريكي..
اطفالها يموتون من الجوع ولاتريد امريكا ان ترفع سيف القهر عنهم.
ان المخازي التي يتكلم عنها مانديلا تحدث علي اتساع العالم من افريقيا الي امريكا اللاتينيه الي اندونيسيا وكوريا وماليزيا وبقيه النمور الاسيويه التي حولوها الي قطط.
اننا نعيش عصر الاستعمار الجديد المبرمج بالكمبيوتر وعصر الغزو الاقتصادي وعصر القهر النووي وعصر مباشره الظلم من بعيد.. بالريموت كونترول.. فاذا انفجرت قنبله هنا او هناك.. خرجت الابواق تولول بانه الاسلام والارهاب الاسلامي, وامتلات صحف العالم كله بالادانه والاتهام للاسلام ولكل ما هو اسلامي.. ولم يعد هناك الا عدو واحد تشير اليه اصابع الاتهام.. هو الاسلام والمسلمون اعداء التقدم واعداء الحضاره.. وتنقلب القضيه بقدره قادر فيصبح الجاني هو المجني عليه.. والظالم هو المظلوم ويلقي الابرياء في السجون ويطلق سراح القتله.
في هذا المناخ من التزييف نعيش.
والتزييف الاعلامي اصبح هو الوجبه اليوميه التي نتعاطاها صباح مساء في الـ سي ان ان .. واليورونيوز.. والتيمز..والهيرالد تربيون وكل اطباق البث التليفزيوني.
وتعيد صحافتنا نشر هذه البضاعه المشبوهه في تعليقاتها.
ويسمون هذا الضياع بالعولمه.
والعولمه معناها الا تجد نفسك والا تجد هويتك والا تري سوي اليد الامريكيه تقودك وتوجهك وتدلك وتهديك.
من خلال الدولار وبرامج الفضائيات وشبكه الانترنت وبورصه الداوجونز واخبار واشنطن تطل علي العالم وتري من هذا العالم ماتريد لك امريكا ان تراه وبالكيفيه التي تريدها لك.. فانت تضطهد الاقباط في بلدك ليس لانك تضطهدهم بالفعل.. بل لان امريكا تريد ذلك.. وتريد ان تفرضه وتروجه علي الدنيا من خلال ابواقها.
وانت تنكر هذا الكلام في جرائدك المحليه وفي اذاعاتك وفي نشراتك الرسميه ذات الرواج المحدود والنطاق المحلي.. ولكن امريكا من خلال ابواقها تصنع دويا عالميا يغلوش علي كل ماتقول وتكتب.. وتجعل لاكاذيبها رواجا اوسع وفاعليه اكبر تفرض علي الدنيا الزيف الذي تريده.
وماذا تصنع النقطه العذبه في بحر مالح.. وماذا تصنع همسه الحب في هدير الاكاذيب.
وهكذا يضيع الحق العربي لان اهله ضعفاء.. ويضيع الصوت العربي لانه كالهمس الذي لايتخطي حدود البيت العربي.
ويسود الباطل لانه اعلي صوتا واكثر انتشارا.
هل تدرك الفضائيات العربيه هذا العجز فتكف عن بث المسلسلات والافلام التافهه والهزليات الرخيصه والطبل والزمر وتركز علي خدمه الاخبار وتوثيقها وجديتها لتكسب ارضا اوسع ومشاهدين اكثر وفاعليه اكبر..
وفي عصر الحيتان والتماسيح والدناصير.. كيف يصبح لنقيق الضفادع تاثير.. وكيف تسمع هسهسه العصافير.
ان الذين امتلكوا هذه الفضائيات عليهم ان يستعملوها بحقها وفي مكانها ولا يضيعوها في محليات وهزليات واعلانات يجدها المشاهد في اي تليفزيون ويعب منها لدرجه السام والملل.
ويخطيئ من يظن اننا نعيش عصر سلام واسترخاء.. بل هو عصر اشتباك والتحام وتهديد وترويع.. وما السلام الا مجرد كلام.. واسرائيل تفجر بيوت الفلسطينيين بالديناميت وتهدم منازلهم بالبولدوزرات وهي تنظر حولها في تربص وتتجهز عسكريا لمواجهات فاصله.. لقد غيرت اسرائيل الواقع علي الارض بالنسبه لفلسطين.. وهي لن تهدا حتي تغير الواقع علي الارض بالنسبه لمصر ولكل الوطن العربي.. فهي لا تامن للمستقبل وعلي حدودها المباشره جار قوي.. وفرصتها اليوم في عهد رئيس امريكي ضعيف مثل كلينتون محاصر بالتهديدات ومكبل بالمخاوف.. لتغير كل شيئ.
وهذه حياتنا التي نعيشها في تطبيع مع تماسيح ناكل ونشرب معهم في بحيره واحده بورقه ضمان من كلينتون الذي لم يعد يضمن لنفسه حتي البقاء في كرسيه وهذا هو الامن الذي ارتضيناه..
امن يوم بيوم وامن لحظه بلحظه مع عدو دخل حياتنا من باب الارهاب والغزو والقتل وهو يدعي ان معه صكا الهيا بملكيه ارضنا واحقيه بالسياده علينا باعتباره المختار من الله.
امن لا امن فيه.
ودعوي سلام ليس فيها رائحه سلام.
وعداله اسرائيليه ليس فيها رائحه عداله.
ونازيه جديده تنتقم من نازيه الامس باغراق العالم في دمار شامل وهولوكوست بطول وعرض الكوكب الارضي.
وعالم يوجج هذه الاحقاد ويشعلها ويساندها انتقاما لهزيمته امام الفتح الاسلامي الذي اقتحم عليه ابواب اوروبا وهدم اسوار القسطنطينيه واسقط المجد البيزنطي القديم.
عقده الماضي التي لا يريد الاوروبيون نسيانها.
وما كان يحمل هولاء المسلمون معهم في ذلك الماضي البعيد الا.. كلمه لا اله الا الله.. ورساله رحمه.. وما افاضوا علي اوروبا التي كانت غارقه في الظلمات.. الا نورا وعلما وحضاره.
ولكن الذين اعادوا كتابه التاريخ سودوا صفحاته وكتبوه بمداد من احقادهم وزيفوا كل شيئ.. واليوم تتولي عصابه الصهاينه إحياء عريضه الاتهام القديم.
وتحرك امريكا العالم الغربي كله ضد كل ماهو عربي واسلامي.. وقد سمعنا جميعا جورج بوش في احدي خطبه ايام معركه الخليج يسمي العصر كله بانه عصر تحالف المسيحيه واليهوديه وعصر الحضاره اليهوديه المسيحيه
JUDO CHRISTIAN CIVILISATION
وقد اضمر الباقي واسره في نفسه وتركه لذكاء المستمعين.. ان حرب الخليج التي يقودها هي بدايه المواجهه الحتميه بين هذه الحضاره وبين الاسلام في معقل الاسلام بالشرق الاوسط.
وقد ادركت الاطراف العربيه بعد فوات الاوان انها قد ساهمت في حرب ضد مصالحها.. وان الحرب كانت مصنوعه ومفتعله ومرسومه من اولها.. وان صدام كان يودي دورا رسم له.
وانتهت حرب الخليج بعد ان اثمرت التمزق المطلوب بين دول العالم العربي ونزلت باسعار البترول الي الحضيض وفتحت ابواب المنطقه للقواعد الامريكيه.
وبانتهائ حرب الخليج انتهت الحلقه الاولي من المسلسل.. والحلقه الثانيه تجري الان علي ارض فلسطين وفي قلب القدس وقد امتدت جرافات اسرائيل لتهدم بيوت الفلسطينيين وراحت تنهب المزيد من الارض كل يوم.. ورفعت شعار.. لا تنازل عن شبر من ارضنا التوارتيه..
وقد اصبحت الارض كلها توراتيه.. وهي عند كل اسرائيلي توراتيه من النيل الي الفرات.
وما يجري يمس كل عربي ويهدده في مستقبله وفي حياته وفي لقمته.. والعرب علي مشارف قمه مرتقبه.. والسوال ماذا يمكن عمله؟!.. وماذا تبقي للعرب من خيارات؟!
ان اي مواجهه هذه المره لن تكون اسرائيليه فقط وانما ستكون اسرائيليه امريكيه.. والحليف الاوروبي ورقه غير مضمونه.. فقلوب الاوروبيين مع اسرائيل اكثر منها مع العرب.. ولن تتجاوز المسانده الاوروبيه للعرب اكثر من كلمه تعاطف واحتجاج في اروقه الامم المتحده.
والموقف دقيق ويقتضي الوحده الكامله الحقيقيه بين كل العرب.
ويقتضي حساب مختلف الاحتمالات واستنفاد كل فرص السلام وفتح كل الجسور مع ايران وباكستان والصين والتماس الحليف المخلص اينما كان.. والاستعداد للاسوا في كل لحظه.
وسوف تتغير موازين كثيره مع الوقت.
وصلافه اسرائيل وتشددها وتعنتها واطماعها في السيطره علي الكونجرس في امريكا وعلي الحكومات الحليفه لها في اوروبا.. سوف يودي الي ردود فعل مضاده.. وسوف تفقد اسرائيل مع الوقت هذا التاييد الاعمي الذي رفعها الي هذه القمه من الغرور والصلف.
وقد وعدنا الله في كتابه بالنصر وباننا سندخل القدس ظافرين منتصرين ووعد اسرائيل بالهزيمه والخذلان وبان كل ما تبنيه في القدس ماله الهدم والدمار.. واذا كان الله قد كتب علينا القتال فسوف يمدنا باسبابه.. واذا كان قد كتب لنا النصر فسوف يعيننا عليه.
وعلينا ان نكون عباده بحق وجنده بحق لنستحق هذا النصر.. وان يعلم سادتنا وحكامنا ان امريكا علي قوتها لاتملك من امر الله شيئا.. وان الله يقضي ما يريد دون شريك.
فماذا نملك من امر الله اذا كانت هذه ارادته؟!
وماذا نفعل اذا كان الله اراد ان يمتحن ايماننا وان يختبر ثباتنا واخلاصنا.. الا ان نقول.. سمعنا واطعنا غفرانك ربنا واليك المصير.
اننا لم نخلق انفسنا ولم نخلق امريكا ولا اسرائيل ولا هذا العالم.. ولكن الله هو الذي خلق كل هذا.. وهو الذي اختار لنا هذا الزمان العصيب لنوجد فيه.. وطرح علينا هذا الاختبار الصعب.. وبشرنا بالنصر ورغبنا في الجهاد وذكرنا بكلامه القديم.
وتودون ان غير ذات الشوكه تكون لكم ويريد الله ان يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين.
وهل هناك افضل من جهاد عظيم في طاعه رب عظيم.
اليس هذا افضل من بركه التماسيح التي نعيش فيها غرقي في شباك التطبيع ومتاهات العولمه وفي بحر من الاماني الكذاب.
اننا نسعي الي السلام ولا نريد الحرب.. ولكن ماذا لو داهمتنا الحرب رغم انوفنا
اعلم ان الماديين الذين لايومنون بشيئ يضحكون الان ملئ اشداقهم.. ويقولون هذا كلام الدراويش.. وماذا عندك يا سيدنا لترد به علي القنابل الذريه والغواصات النوويه والحرب الميكروبيه.. غير هذا الدعاء.
وانا اقول لهم وماذا كان عندكم لتردوا به علي غاره الحر القاتل التي اطبقت علي العالم واحالته الي سعير وحرائق وسيول وفيضانات؟!! ماذا كان عندكم غير الصراخ والابتهال.
كلنا في قارب واحد يا ساده.. كلنا.. الضعفاء منا والاقوياء في قارب واحد.. وفي قبضه الجبار ورهن قضائه واسري كلمته.
وامريكا كلها التي خلقها الله بكلمه.. غدا لاتكون.. اذا شاء ربنا واراد الا تكون.
وقد شاء ربنا من الازل وكتب علي نفسه.
وكان حقا علينا نصر المومنين وكان هذا عهدا من القادر علي نفسه فهلا امنتهم وارحتم واسترحتم واسلمتم لهذا القادر.
وهلا امنا ونفضنا عن انفسنا هذا الضعف والاستسلام.
وكيف الحال بامه من الف مليون عددا.. امه ملكها الله كنوز الطاقه وثروات الارض.. ان ترضي لنفسها بهذا الضعف.
امنت بالله وبان لكل ظلم نهايه.


