الأربعاء 31 ديسمبر 2025 الساعة 07:48 ص

مقالات وآراء

السيد الرئيس أعانك الله(15)

حجم الخط
 
بقلم: د. عطالله أبو السبح

  

دكتور... هذا الطفل قد كان يلعب بجوار أمه ، التي كانت تغسل بجانب ( الكانون) وأخذ يشعل العيدان ويزجها في النار ، وإذا (بالسخَّان) وما فيه من ماء مغلي ينسكب على جسده فيصيب صدره بما ترى ، أرجو... لم يمهله الطبيب الشاب فأخذ ينهره.. طيب طيب اطلع بره ، فيبتلع الشاب الإهانة ويخرج ، يأمر الطبيب بكيس محلول ، فلا يجد ، فيأمر بمراهم ، فلا يجد ، يأمر بقطع من الشاش فلا يجد ...يأمر بسيارة لنقل الطفل إلى مشفى آخر ، فأُجيب ، ليس في المشفى وقود ، حتى دراجة هوائية لم يجد ، والطفل يصرخ ويكاد يدخل في غيبوبة ، يحاول الطبيب تهدئته ولا سبيل ، تدخل أمه وقد أعياها القلق والعَـدْو وطول الطريق ...يا دكتور ...صرخت ...ابنها مسجى ... وقد ذبلت جفونه ..ثقلت عن الحركة ، نادى أمه  بصوت باكٍ واهن ، ثم أخذ يصرخ صراخاً مبحوحاً ،والطبيب عاجز عن فعل شيء ، تجمع اثنان ..ثلاثة ....أخذت ممرضة على عاتقها تحريك الهواء بقطعة (كرتون ) عساها تبرد النيران المستعرة بجسد الطفل ، وهي تبكي عجزها .

 

نادت الأم باسمك بصوت رددت جنبات المشفى صداه ، وهي تدرك أن بينك وبينها مدناً وقرى ..( انت وين والرئيس وين يا بنت الحلال) قالتها عجوز تصارع ( الضغط ) الذي يحطم جمجمتها ، و( السكر ) الذي يجري منها مجرى الدم في العروق ، وتعمل إِبَـرُهُ في جسدها ،وقلبها لا يكاد ينبض ، وعشرات الأطنان من الأشياء على أجفانها  وتنادي – بين الفينة والأخرى – الطبيب ..والطبيب عاجز ..يا دكتور ..رأسي يا دكتور ..لسانها حطبة ..وفمها علقم ..وريقها صابون لزج ..شفاهها أوراق خريف توشك على السقوط ، وقلبها تمزقه اللوعة على (أم الولد )، يا بنيتي وكليها لله ، يضربها (الضغط ) بشاكوش ثقيل ؛ فتصرخ فجأة ...رأسي يا دكتور ، يا دكتور رأسي ، يقتلها الظمأ و (يكلبش ) الصابون لسانها ..استبد بها اليأس من الحصول على علاج ، أو كلمة ( ما ) من الطبيب العاجز (جداً ) عن تقديم شيء للطفل محروق الصدر ، ما فائدة ما تعلم!! ، ما الفرق بينه وبين أي طاولة أو كرسي ؟ بل للطاولة والكرسي فائدة دونه  ، ما الفرق بينه وبين كيس محلول فارغ ، أو ميزان حرارة مكسور ؟ تتوالى على رأسه الإهانات ، تشبع إحساسه فلم يعد يشعر بالمزيد ، ولا يزال قلبه يداعبه أملاً بالتثبيت ، ولكن حاول أن يدفع خاطراً : لو تثبَّـت فمن أين الراتب ؟! ، تدوِّي في رأسه هتافات اختزنها منذ اليوم الأول لاختيار شعبك لك ( وين الراتب ؟ فش .. فش .. ) وأعقب ذلك بعتاب تمتم به لنفسه ، ولنفسه فقط :  لماذا احتفظ عباس لنفسه بصلاحية صرف الراتب ؟! ولماذا أنت قبلت ؟. هذه هي النتيجة !! وما فائدة الانتخابات إذن طالما أن رموز الفساد ظلوا في أماكنهم ، ويتمتعون بأكثر مما كان في أيديهم من صلاحيات ؟؟ ثم تأوَّه : سامحكِ الله يا حماس !! هكذا أرادوا وإلى هذا خططوا ....

 

زاغت نظرات ( أم الولد ) تمزقها نظرات ابنها الواهنة المتقطعة ، امتلكها الرعب ، أزعجها صوته وصراخه ، ويزعجها أكثر أن يخفت صوته وصراخه رويداً  رويداً ، أزعجها صراخه المتصل ولكن أن يكون متقطعاً فهذا يرعبها ، بدأ قلبها يقفز حتى بلغ حنجرتها ، فأخذ يمنع عن صدرها الهواء ، وأطرافها ترتعش ، وقد سرت البرودة إلى أطراف الأطراف ، جسدها يرتعش ، يرتعد ، بدأ عرقها حبات ..ثم خيوط ، تمسح وجهها المبلل بيديها المبللتين ..عرق ...عرق ..ابني يموت ...تشعر بشيء من الدوار ...ابني ...ابني ...ابني يا رئيس ، ابني يا حماس ، صرخت على الفصائل فصيلاً فصيلاً وقلبها يزداد خفقاناً واضطراباً ، يضطرب صوتها : يا رب ...يا رب ، الولد مسجى ...لم يعد يستطيع أن يفتح عينيه ...تتزاحم الرؤوس والأجساد، تختلف أطوال الطامحين لرؤية ( الولد )...تتدافع ...لم تعد ترى ولدها ، فكـُّها يضرب فكـَّها بعنف متصل ، تتعارك أسنانها ...حبيبي ( يمّا )...يا عباس ولدي ...يا إسماعيل ...لماذا نادت على مبارك ...وكأن موجة عاتية داهمت الجميع ، ارتفعت عن قاماتهم ..شعور بالغرق ...ولا سبيل للنجاة ..المعبر ...افتحوا المعبر ...والطبيب الناشئ مسلوب الإرادة ...عاجز عن إنقاذ ( الولد ) ..عاجز عن دفع الناس ، عاجز عن طمأنة (أم الولد ) ..عاجز عن تحريك الهواء مع الممرضة ، لقد توقف الهواء ...يتصبب جسد الولد عرقاً، ملح العرق زاد من إحساس ( الولد ) بالاحتراق ، يضيق صدر بعض المتزاحمين ، يشق الزحام ، والزحام يتكاثف ...الزحام ...لا يستطيع الخروج .. أخذ يهذي يطلب من الجميع الفهم ...الوعي ..الإحساس بالمسئولية ...ثم يشتم ...تنحبس أنفاسه ...صرخ ...يا بوليس ..الشرطة ..أكثر من صوت ينادي الشرطة ، تميز من بينها صوت الطبيب ، شتمه أحد المتزاحمين ، وسبَّ من أعطاه الشهادة ... إنت دكتور إنت ؟!! عادت (أم الولد ) تنادي عليك ، على الفصائل ...لم يستجب لها أحد !! تعالت الأصوات تلعن السياسة والسياسيين ، والفصائل والفصائليين ، والأحزاب و المتسترين بالدين ...تضاربت الكلمات ، واشتجرت الحناجر ...لم يستطع الشرطي ....       

 

أراني في حاجة إلى التوقف ، لأستأنف الحديث يوم غد إن عشت (أنا ) لغد بمشيئة الله ،،،،،