السبت 27 ديسمبر 2025 الساعة 10:41 م

مقالات وآراء

روح الاستكبار والاستضعاف

حجم الخط
بقلم د. خالص جلبي

لا يقل عن ثماني مواضع في القرآن تحدث عن أخطر مرض في العلاقات الاجتماعية؛ الاستضعاف والاستكبار، الأول يؤهب للثاني، والثاني يحمل في أعماقه مرض الأول، وفي النهاية يخسف الله الأرض بالصنفين.

وأمريكا اليوم هي من صنف المستكبرين في الأرض، الذين لن يدخلوا ملكوت السموات إلا حين يلج الجمل سم الخياط وكذلك نجزي المستكبرين..
اختفت الديناصورات من وجه البسيطة قبل 65 مليون سنة، فليس من كائن محصن ضد الفناء، وضربت أمريكا صاعقة اقتصادية مثل صاعقة عاد وثمود في خريف 2008م، مما ذكر بنبوءة الكاتب الفرنسي (إيمانويل تود) الذي كتب عن انهيار الاتحاد السوفيتي أنه مؤشر نهاية أمريكا؟
وأن أمريكا بعد اختفاء الاتحاد السوفيتي ليست محصنة ضد الزوال. بل ستمشي إلى نفس القبر بنفس العلة من الروح الإمبراطورية.
وهو تنبؤ باول كيندي في كتابه سقوط وصعود القوى العظمة فتنبأ لبلده بنفس سوء المصير؟
وهذا يذكرني بنبوءة (الخميني) و(هنري سيلارد) الهنغاري، فأما الأول فقد تنبأ بسقوط الاتحاد السوفيتي في عشر سنين عجافا... وكان..
أما الثاني فقد توقع بعد انهيار الاتحاد السوفيتي انهيار أمريكا لتساند النظامين بشكل خفي.
وهو نفس رأي توينبي عن زوال روما بعد زوال قرطاج، وكان هناك من العقلاء من الرمان من رأى الإبقاء على قرطاجنة كمعدل ومفرمل للنهم الاستعماري، ولكن هنيبال كان له دور في خلق الوحش الروماني، الذي التهم قرطاج وروما معا، فزالت الجمهورية وولدت الإمبراطورية الاستعمارية التوسعية..   

وأرسل لي أخ غاضب حزين على زوال أمريكا، فقال إنه هراء وأنها آراء تدعو للاشمئزاز تلك التي بها أتفوه، وكان عجبي منه مضاعفا من طول الصحبة وخشونة القول، فقلت وكان الإنسان أكثر شيء جدلا.
وهذا يعني أن أعظم الصداقات قد تتحول إلى أعظم العداوات، كما بين تيموجين وأخيه بالرضاع، أو بين المعتمد ووزيره العمار، والقانوني وصهره الصدر الأعظم إبراهيم، فكلهم لاقى مصرعه بيد صديقه، الذي كان أقرب من أخ؟ فليحذر الإنسان من الصداقات أكثر من العداوات؟
وكان جوابي عليه لقد غضب فهو يجر لحيتي كما فعل موسى مع هارون، وإن التاريخ هو الذي سيحكم على الآراء فيمحي أو يثبت.. وأنه لو أفادنا بردّ ففند ونقض لاستفدنا..

وروى توماس فريدمان أن في عمره مرت عليه أربع أيام نحسات، دفعته للرعب الأكبر؛ حصار كوبا والتهديد بحرب نووية، ومقتل كينيدي، وأحداث سبتمبر، ثم الزلزال الاقتصادي في خريف 2008 بحيث عنون مقالته إن خطة الإنقاذ المزمعة بتريليون دولار تحتاج لإنقاذ؟؟
هذه الروح التوسعية النهمة التي لا تعرف الحدود واحدة، سواء عند العباسيين والأمويين، أو شارون وبوش، أو السلاطين من بني عثمان، أو أباطرة الفاشيين وديكتاتوري جمهوريات الخوف والبطالة ..
فمن تاريخنا يروى عن هارون الرشيد أن غمامة مرت فوق رأسه فخاطبها قائلا اذهبي حيث شئت فخراجك سيأتينني؟!

إنها قصة ممتعة تدخل نشوة فائقة إلى نفوسنا، ولكن لا نسأل من الذي سيدفع الخراج؟
وعندما نكون في صف من سيأخذ (الخراج) لا يخطر في بالنا عذابات الأقوام وذلهم، كي يدفعوا المال للإمبراطور.
وبالمقابل فإن طرق إنفاق المال الإمبراطوري تذكرها كتب تاريخنا أنها مفخرة، فعندما تزوج ابن هارون الرشيد (المأمون) من (بوران) أنفق من خزائن أبيه (هارون) كل الخراج الذي سحت به مياه السحابة التي رآها أبوه يوماً.

وكان هذا الاحتفال الإمبراطوري للمأمون بعد أن خرَّب بغداد في حرب أهلية دامت 14 شهرا ثم احتزت رقبة أخيه الأمين بالبلطة وجئ بالرأس المقطوع على طبق لصاحب (دار الحكمة)، ودشن اضطهادا عقليا بفرض فكر المعتزلة بقوة السلاح, فكان العلماء يحملون إليه أذلاء معتقلين؛ فمن قبل بفكرة خلق القرآن خلوا سبيله، ومن رفض كان مصيره النطع والجلاد.
ومن قوانين التاريخ أن كل فكر فرض بالإكراه كان مصيره الفناء.

هكذا اختفى فكر المعتزلة واندثر تراثهم، بسبب حماقة المأمون، ولم يكن بحاجة للخناجر، وهو المشهور بحلمه وعقله، ولكن كما يقول ديكارت إن أعظم النفوس عنها استعداد لارتكاب أفظع الرذائل.
وتم اغتيال العقل على نحو منظم على يد الاتجاه النقلي تحت عيون جواسيس السلطان، لينتهي بثلاث كوارث متتابعة: الاستبداد الديني الذي قاد إلى الاستبداد السياسي، والذي قضى بدوره على جهاز المناعة في جسم الأمة؛ فانسحبت من التاريخ، وانقلبت محاور الأرض، وحبس العرب في زنزانة البحر المتوسط، وظهرت حضارة الأطلنطي، وهي تملك الديمقراطية ومؤسسات البحث العلمي ومصارف المال والقوة الحربية.

إن قصة هارون الرشيد ليست الوحيدة، بل هي قانون متتابع للقوى العظمى، حينما تسكر بخمر القوة، قبل أن تفاجئ بالسقوط بغير استعداد. وعندما كان السلطان العثماني ينبه أن هناك تطورات هامة تحدث في الغرب كان جوابه: سلطان المسلمين لا يزور بلاد الكفار إلا فاتحا!!
في الوقت  الذي كان اسحق نيوتن يكتشف قانون الجاذبية.
ونفس هذا المنطق ظهر في الرسالة التي وجهها سفير الملكة فيكتوريا لسيدته، وهو يصف الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس.
واليوم تقلصت الإمبراطورية العثمانية إلى تركيا صغيرة.
وانحجبت كل أشعة الشمس عن بريطانيا العظمى؛ فهي تعيش في الضباب في حرب داخلية بين الكاثوليك والبروتستانت.
وهذا المرض إنساني ويمكن أن يصيب أي طاغية.