السبت 27 ديسمبر 2025 الساعة 01:40 ص

مقالات وآراء

السيد الرئيس... أعانك الله (13)

حجم الخط
 
بقلم: د. عطالله أبو السبح

  

انتهينا في ساعة متأخرة، وأردف غازي: اتفقنا على تبادل افراجات، فلقد اختطف جيش الإسلام (!!) تسعة من صحبك ، الأمر الذي دفع أبا مصعب إلى أن يعتقل ثلاثة من قياداتهم. للحفاظ على حياة (التسعة) هذا أولاً ، وأما ثانياً (فجونستون)...ها..... نعم، يطلق سراحه ، وفي الموعد.. تنفست بحرارة ، وكأن بركانا كان يسكن صدرك ، وعرفت الابتسامة الحقيقية طريقها إليك ،ولعل المباحثات التي أجراها مكتبك بقيادة أبي عمر كانت أهم إنجازاته، وهكذا يكون السفير ذا رأي وأثر وثمر إذا كان حريصا ، وأرسل به حريص ، مسلحاً بأهلية العقد والحل ، ولا يكون مكتوفا بخيوط عنكبوتية ، ولا أسير أهواء وآراء متشاكسة ،ولا مقيدا برأي فرد مستبد ،أدار غازي المباحثات بصبر وبصر ،طريقه واضحة، ومنطلقاته أشد وضوحاً. فإن انعدمت منظومة القيم الأخلاقية والشرعية والإنسانية فلا رجاء، وإن اتسمت بالفوقية واليبوسة والأنا الإبليسية فلا رجاء أيضا، وإن سادها الجهل وفساد الرأي والحكمة فلا رجاء كذلك ...  أربعة أشهر عُـمر أسر جونستون ، أوشكت  -ياصاحبي -في نهايتها أن تستجيب لصوت خافت تسلل من زاوية خلفية من عقلك:  فلنحاصرهم ، وليكسر القيد بقوة الحق على ألا تراق قطرة دم ... كان لهذا الرأي محاذير؛ أن يركب الآخر رأسه شططاً ، ويُجهِـز على من في يده، وقد كان (الحصار) ولكن، لم يركب المختطفون الشطط، بل استحقوا الشكر، لتفهمهم الأسس التي ارتكزت عليها، لينال الرجل حريته، التي فقدها بلا جريرة ، ولا ذنب ، فقد كان مشهوداً له بالنزاهة والمهنية والانتصار للمستضعفين ، ومفنداً لمزاعم الكيان وفاضحاً إجرامه ، كان مشهودا له بالإقدام والنبل ، وبذا ، فإن من لديه الحد الأدنى من الفهم فقد أحسن إليه ، فيا كل جيوش الأرض، ' لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين، ولم يخرجوكم من دياركم، أن تبروهم، وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين. '

 

فكيف بهذا؟! وهنا، خرج الأشحة على الخير يسلقونك بألسنة حداد , فقد (دلع) أحد مساعدي عباس لسانه، وأخذ يلعق كلمات طفحت من شدقيه، واصفاً بها فكاك الأسارى، خاصة جونستون (بالمسرحية) وخلًًًََََل (شلاطيفه) قائلاً: إن حركة حماس  سبق وكانت على صلة بجيش الإسلام ,ثم قاء: وقد اختلفوا؛ أي حماس وجيش الإسلام ,كما يختلف السارقون!! وأقول: أعانك الله

 

عرف العالم دورك , وأثنى عليه، إلا الرزايا، الذين كبر عليهم ما تدعوهم إليه , كنت أسمع (فايداً ) وقد تحدث عن جونستون، فغلى الدم في شعوري ,ولكنك أكدت أن الحِلم سيد الأخلاق , وأن العجلة قد تورث ندماً , الأمر الذي أشعل النيران في أنوف المرتزقة، وتجار القيم، ولكن هل توقف الأمر؟ كثيرون هم الذين اختُطِفُوا، مما أثار الرعب والقلق والاضطراب, ومما أخاف الأقلام والكاميرات من الوصول فهربت، فضلاً عن البقاء , وشهدت وصحبك موسماً حافلاً بهجرة الأدمغة والكلمات والصور ..

 

هكذا أرادوا، وهكذا خطط المتساقطون على أعتاب يهود . والراسفون في قيود التبعية والذيلية والانكسار ... لم يتوقف الأمر,فما أن نال جونستون حريته، حتى فقدها العشرات، بل وفقد الكثير منهم الحياة ,فالمطلوب رأسك على كل المحاور , في الوقت الذي تحفر سياطهم أخاديد في أجساد شعبك؛ لأنه أسلمك القياد .... ما كان حصار الكلمة والقلم مألوفا في أعراف أحد حتى الهمج، لقد صحب حملة الأقلام  جنكيزخان وهولاكو وتيمورلنك. والمراسلون مبثوثون في كل زاوية وفي كل منعطف، أوقد المجرمون فيهما نيران الحرب: لنكولن ,نابليون ,تشرشل ,موسوليني، حتى هتلر كانت ترافقهم غابات من الأقلام , إلى جانب غابات البنادق, ودوي آلات الطباعة قد علا دوي الدبابات ,وأزيز الطائرات، لم يكسر أقلام الصحافة إلا مجرم خئون , ولم يطفئ أضواء الكاميرات إلا لص لئيم , ولا يعتقل الصحافيين إلا أذناب الطغاة وتجار الحروب, هو ما يجري هناك في إمارة دايتون, وهو ما يجري في الساحة الخضراء , وهو ما جرى للجزيرة , وهو الذي جرى لجونستون .إن الكلمة الحرة أقطع من السيف في نحور الطواغيت, ولا يكتم صوت الحق إلا من كان صدى للباطل , وليس من صدر يضيق بالحقيقة إلا صدر جبان, مستبد.

 

لقد ضرب ستالين سورا من حديد على ما كان يسمى ( الإتحاد السوفيتي)، فأخرج له خصومه من جراب المعقول أو اللامعقول( دكتور زيفاكو)، وأنطق (بيدبا) الحكمة على ألسنة الحيوانات, فيما نقله لنا ابن المقفع في ( كليلة ودمنة), فعين المستبد عمياء، وليس من أحمق يغطي الشمس بغربال، ثم يحاول أن يقنعنا أنه قد غطاها ، وكذا الحقيقة .. فلا سبيل لتغييبها بفتوى جهول. إذن ، فلقد خاب فأل الأسياد والعبيد ، وها هي صورتك وصحبك ناصعة، وإن هاجر قلم جونستون ، فلقد حل بدارك غيره كثير .

 

اسمح لي هنا بالتوقف ، لأستأنف الحديث غدا إن عشت (أنا) لغد بمشيئة الله.