الخميس 01 يناير 2026 الساعة 05:45 م

مقالات وآراء

عندما يتحول الفن إلى مقاومة

حجم الخط
 
بقلم: مصطفى الصواف

   

فلسطين تاريخ حافل، فيه من الأحداث والعبر التي يمكن لها أن تدون بمداد من ذهب لا تمحوه السنون ولا تلغيه الأحداث، ويبقى حيا وإن لم يسجل أو يوثق، فكيف لو سجل أو وثق هذا الحدث عبر عمل فني هو الأول في قطاع غزة.

 

عماد عقل اسم حُفر في الذاكرة الفلسطينية والعربية والإسلامية والعالمية، وكان له صدى وفعل على أرض الواقع، وسطّر خلال سنين عمره التي لم تتجاوز العشرين بكثير، ما لم يسجله من عاش قروناً على الأرض، من صفحات مشرقة لا يكفيها هذا الفيلم الروائي الذي عرض أول من أمس عرضا خاصا أمام حشد من الحضور النوعي.

 

ورغم أهمية هذا العمل الفني الذي تناول حياة أحد أبطال المقاومة في فلسطين والذي أوقف دولة الاحتلال بكل ما تملك من أجهزة وأدوات على قدم واحدة، وجعلها حائرة لا تقدر على  فعل أي شيء، ينتقل من غزة إلى الضفة الغربية ويعود إلى غزة، وهو المطلوب رقم واحد للاحتلال، يقاوم في غزة وينقٌل المقاومة إلى الضفة، وبعد أن أسسها هناك عاد للقطاع ليقاوم الاحتلال الذي لم يتمكن من الوصول إليه إلا عبر العملاء بعد أن ضاق ذرعا ببطولاته وجهاده، إلا انه لم يعط صورة شمولية عن حياة البطل عماد عقل.

 

الفيلم الروائي 'عماد عقل' الذي أنتج وصوُّر ومثُّل في قطاع غزة وسط هذا الحصار القاتل هو واحدة من أدوات المقاومة، التي أجاد الفلسطينيون لعبتها وتمكنوا من تحويل كل ما بين أيديهم إلى أدوات مقاومة، وهذا الفن المراد منه تسلية وتلهية الناس وإضاعة وقتهم يُحوّل على أيدي أهل غزة إلى وسيلة مقاومة، إلى بطولة وقدوة ،كما حولوا قطرة الماء ونبتة  الزرع وحفنة الطين.

 

اليوم تشهد غزة أول عمل فني متكامل يصور حياة بطل من أبطالها، بكثير من التفاصيل، وكثير من المواقف التي يعرف المواطن الفلسطيني تفاصيلها وحذافيرها، هذا الفيلم الذي شاهدت كان عملا نوعيا لم يعرفه الفلسطينيون عن غزة، وكنا نشاهد أفلاما وثائقية مصنوعة من صور الأحداث مع شيء من الكلام لربط الصور، ولكن في فيلم عماد عقل تحولت الكلمات إلى مشاهد ولقطات متحركة كل منها يدخل ويخرج ليدخل في مشهد آخر بسلاسة ويسر، المشاهد فيه سلسة متقنة لا قطع فيها يفسد جمالها، أنا لا أريد أن أتحدث عن فن الدراما في الفيلم كثيرا، لأنه الأول الذي يتم هنا في قطاع غزة بل ربما في فلسطين، وهذه تجربة الممثلين الأولى للتمثيل في هذا النوع من الفن، فقد يكون البعض منهم وقف على خشبات المسارح الشعبية، ولكن هنا العمل مختلف بشكله وحجمه وطريقة الأداء فيه، فأي سلبيات أو ملاحظات في هذا المجال ليست للتقليل من هذا الجهد الكبير وحجتنا أنها التجربة الأولى وتكون بهذا المستوى، فهذا النجاح بعينه.

 

ملاحظاتي على هذا العمل الفني سأتحدث باقتضاب عنها، ليس من باب التقليل من أهمية الفكرة ومعالجتها ولكن من باب أخذ هذه الملاحظات في الأعمال الجديدة القادمة، لا ادعي أنني خبير في الأعمال الدرامية ولكن قد أملك عيناً ناقدة ليس من باب الخبرة العلمية ولكن من باب الخبرة العملية.

 

ليعذرني من بذلوا هذا الجهد الكبير عندما أقول إن المعالجة كانت منصبة على ناحية واحدة وهي العمليات العسكرية التي نفذها عماد عقل، وأغفلت عماد عقل الإنسان، لان نجاح المجاهد في عملياته له أبعاد إنسانية واجتماعية وخُلقية كان من المهم أن يتطرق إليها العمل في أكثر من مشهد، وإن كان هناك مرور سريع على بعض المحطات ولكن لم تشغل القترة الزمنية المناسبة من عمر العمل.

 

كما انه في الأعمال الروائية لا يكفي سرد أو عرض العمل أو النتيجة بشكل مباشر هو اقرب للتسطيح منه من الغور في العمل وما قبله وما بعده وتبقى النتيجة جزئية ضمن جزئيات كثيرة.

 

وحتى العمليات التي نفذها الشهيد البطل عماد عقل ربما سبقتها شهور وأسابيع من الرصد والمراقبة وجمع المعلومات عن الهدف، فكانت المشاهد تنتقل من موقع إلى موقع ومن حدث إلى حدث مباشرة دون وضع المشاهد بما سبق من تحضير للعمل، وكأن العمليات نفذت هكذا وتمت بلا تخطيط وبلا معلومات وغيبت كثيراً من الأبطال، فعلى سبيل المثال عملية الشيخ عجلين وهي واحدة من المشاهد التي أظهرها الفيلم ركزت على عملية إطلاق النار ولم توضح حجم الجهد المبذول للإعداد لهذه العملية والذي ربما استمر عدة أشهر.

 

نقطة أخيرة ولا أريد أن أطيل في التعليق على الفيلم: المؤثرات الصوتية المصاحبة للمشاهد نادرة،  ولم تكن موفقة، من موسيقى وغيرها، وهي القضايا المهمة في الأعمال الدرامية وتعمل على شد انتباه المشاهد بوجود شيء ما وتجعله منتبها للقادم بعد المؤثر.

 

من الأمور التي لفتت انتباهي من خلال مشاهدة الفيلم وهي أمور إيجابية تدل على تمكن المخرج جندية من عمله الفني، أن مشاهد الفيلم ملتحمة مع بعضها البعض، أعطت عملا فنيا متكاملا لا قطع فيه ولا توقف في غير مكانه ولا اندماج خارج السياق، كانت بداية المشهد سلسة في الوصول إلى نهايته، والخروج من المشهد والدخول إلى المشهد التالي سلسة مدمجة ومتقنة في نفس الوقت، وهذه من الأمور التي لفتت الانتباه والتي من حق مخرج الفيلم وحق العمل أن نشير إليها، وفي المقابل هناك سؤال موجه للأخ المخرج: لماذا لم تتم الاستعانة بالأرشيف في عرض بعض المشاهد التي لو استخدمت لكانت أبلغ في التعبير عن الصورة، فعلى سبيل المثال جنازة الشهيد عقل، وبالمناسبة هما جنازتان، الأولى كانت في حي الشجاعية عقب عملية الاغتيال والتي جُمع فيها جزء من رأس الشهيد البطل وأجزاء من الدماغ، والتي حملت ودفنت في شرق الشجاعية في جنازة حافلة بالآلاف من المشيعين، أما الثانية فكانت تحت نظر الاحتلال, وجنازات شهداء المقطورة، مشاهد حية وحقيقية من ثورة الحجارة في الانتفاضة الأولى ، هذه اللقطات عادة ما يستعان بها في الأعمال الروائية وهي ليست بدعة أو هي فقط للأعمال التوثيقية، كان الأولى بالأخ المخرج الاستعانة بها، هذا على الأقل.

 

وفي الختام نوجه الشكر لكاتب القصة وسينارستها الدكتور محمود الزهار، الذي يتحفنا، حقيقة، بين الحين والآخر بمثل هذه الأعمال، والشكر موصول لشبكة الأقصى على جهدها، وأتمنى أن لا يكون الأخير، فكما أشرنا تاريخنا حافل وفي كل يوم يوجد فيلم روائي، وأتمنى مشاهدة ممتعة لهذا العمل، للجمهور الفلسطيني خاصة والعربي والإسلامي والعالمي عامة.