الخميس 01 أكتوبر 2020 الساعة 04:56 م

مقالات وآراء

حسن أبو حشيش

وكيل مساعد وزارة الإعلام
عدد مقالات الكاتب [231 ]

بعد رحيل عرفات ... ربح الموقف وخسر التآمر

حجم الخط

عامان مضيا على رحيل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ,بعد مسيرة طويلة وحافة وزاخرة بالعطاء والفعل والمكابدة والصراع مع الذات الفلسطينية ومع الأجواء الإقليمية والدولية المحيطة, وبعد ملامح سياسة وإدارة لها من السلب والإيجاب , ولها من المعارضين والأنصار , وهذه طبيعة الأشياء والمواقف.

 

رحل الرئيس عرفات بعد أن كان قد وافق على الكثير من الأشياء المتساوقة مع المجتمع الدولي على طريق الدولة والاستقلال ولكنه قال لا عريضة وكبيرة وواضحة حين طُلب منه التنازل عن الثوابت, هذه الثوابت التي أبدى العديد ممن كانوا حوله في حياته مرونة التعاطي معها بحجة الواقعية,وسمحوا لأنفسهم أن يكونوا لسان حال الشعب في قضاياه المصيرية بذريعة معرفتهم الجيدة للمصلحة وقدرتهم الفائقة على قراءة المعادلة الدولية,وازكموا أنوفنا باقتراحاتهم و(فزلكاتهم) السياسية انطلاقا من تجاربهم الغنية في الحياة وفي مداخل إدراك اللعب مع الكبار العظماء.

 

أُستشهد أبو عمار بعد أن حافظ على جذوة الانتفاضة , ووفر دعما معنويا وماديا لها, وشكلا سندا مستترا للمقاومة بكافة أشكالها وأنواعها, هذه المقاومة التي أساء لها من يدعون أنهم مقربين من الرئيس عرفات , واستولوا على إرثه السياسي والتنظيمي, ويتشدقون صباح مساء وبكل الألسن وتفانين الخطاب بأنهم متمسكون ببوصلة عرفات , لقد أهانوا المقاومة وجعلوا من أشكالها  سببا لجرائم الاحتلال في بيت حانون ورفح وخانيونس وجنين وفي كل مكان, ومنحوا هذا الاحتلال البغيض شهادة براءة وبيضوا نواياه وصفحاته وآلياته المجرمة لتكون المقاومة التي مات عليها الرئيس عرفات هي السبب في مجزرة آل العثامنة , وآل غالية...

 

قُتل عرفات بعد حصار مرير لسنوات طويلة في رام الله بسبب رفضه لإملاءات الشروط الدولية , ورضي بالحصار وبُلغ من بعض الأصدقاء بقرار التصفية ,وقبل بذلك على ألا يتصرف بما لا يملك, وشاركت العديد من الأطراف في الحصار بما فيها جهات مقربة ومتمسحة بعباءته وردائه, واليوم شعب كامل يُحاصر , وحكومة شرعية تُحارب , والأطراف هي هي والأساليب متشابهة , وإن كانت في هذه المرة أكثر وضوحا وأكثر رغبة في التنفيذ على اعتبار أن التحرك ضد عرفات من قبل بعض الجهات الفلسطينية فيه نوع من الاستحياء, وكان يلاقي معارضة حزبية داخلية.

 

 ويتساءل الناس الآن لو كان عرفات حيا هل توقفت الرواتب واستمر الحصار على الحكومة؟! وهل كان بالإمكان أن نرى ما رأيناه من زعرنة وعربدة في الشوارع بالشكل المسيء الذي رأيناه؟!  بالتأكيد لا لأنه كان يمارس صلاحياته كرئيس يملك كل مقدرات البلد ولم يجعل نفسه خصما  وطرفا ,وكان يتصرف بقوة في حل مثل هذه الإشكاليات , الأمر الذي اعتبره إدانة واضحة لكل جهة لم تهتدي بسياسة عرفات في هذه الجزئية , بل ولعبت دورا سلبيا فيما يجرى على الساحة الفلسطينية.

 

إن مرور عامان على رحيل الرئيس الفلسطيني في ظروف مهينة وغامضة ومسيئة دون أن تتشكل لجان تحقيق في ملابسات التصفية والانقلاب أعتبره كارثة أمنية وسيادية وسياسية,وضربة قاسمة للكل الفلسطيني والعربي, وإدانة واضحة لمن حوله في مسارع اليومي ومن حوله في يوميات الحصار, ولا ادري إلى متى يبقى الأمر حبيس الأقلام الصحفية؟! إن الأمر بهذا الصمت يعكس حجم التواطؤ الداخلي , ويشير إلى الأصابع المنفذة القريبة من الرئيس الراحل, إنه لغز محير ولكنه سهل الاستقراء لوضوح المقدمات , وكل ما هنالك أن الأمر يحتاج إلى جرأة في القرار والتقصي والتفتيش عن خفافيش الظلام المحيطيين بالقضية.

 

مات عرفات وترك جدلا كبيرا حول ملابسات اغتياله , وحول ميزانياته وأرصدته الخاصة والعامة , ومازال الأمران في حاجة للحسم والتنقيب, كما ترك جدلا  حول مستقبل الوضع السياسي الفلسطيني عامة , والوضع الفتحاوي خاصة.

 

ونقول إن الخارطة السياسية تغيرت بعد رحيله, وعلى الجميع أن يدرك هذه الحقيقة ويقلع عن مناطحة الصخر لان العجلة إلى الأمام ولن يعود التاريخ إلى الوراء , أما أوضاع حركة فتح فقد أساء لها العديد ممن  يحملون اسمها, وخاصة أولئك الذين رضوا أن يكونوا أدوات للحصار ويُفقدوا الناس أمنهم الشخصي والعام, وما كانوا ليتجرؤوا لو كان عرفات على قيد الحياة.

 

وتمر الذكرى وتبقى الحياة العرفاتية مدرسة كبيرة يُأخذ منها ويرد , وكنوز معرفة تحتاج لسبر غورها من يملك إخلاصا وجرأة. وعلينا الاتعاظ بأن من حاصر عرفات وقرر قتله وبارك ذلك خسروا , وها نحن نُخلد في الدنيا ذكرى عرفات الصامد والثابت , وفي الوقت نفسه نشهد حالة من التعذيب والمرض والعجز العقلي والجسدي لشارون , والتخبط للقادة الصهاينة , ونرى حالة من الإذلال لبوش الذي مُني بهزيمة نكراء لم تمر على حزبه منذ اثني عشر عاما , وبلير الذي انخفضت شعبيته إلى الحضيض... كل ذلك بسبب العربدة من قبل هذه الطغمة في العراق وأفغانستان ولبنان وفلسطين.