الشك قاعدة يُعتمد عليها عندما يعتري الموقف غموض، أو يبقى الأمر ظاهرة إعلامية لا رصيد لها على أرض الواقع، هذا هو تشخيصنا لزيارة الرئيس الأمريكي الأولى إلى منطقتنا العربية والإسلامية والتي تلقى اهتماماً كبيراً في أوساط المراقبين والسياسيين في المنطقة، خاصة وأن أوباما يريد أن يلقي خطاباً إلى العالمين العربي والإسلامي، ولعل هذه هي المرة الأولى التي يقوم بها رئيس أمريكا بمثل هذه الخطوة، وهو أن يوجه خطاباً إلى قطاعات معينة من خارج الولايات المتحدة الأمريكية.
لا ننكر أن أوباما يطرح شيئاً جديداً مختلفاً عن الرؤساء الأمريكان، وله طريقة ( ابرستيج ) مختلف في طريقة تعامله مع المسلمين والعرب، ولكن هذا الاختلاف لم يتعد بعد المنطق الإعلامي والكلامي وعلى أرض الواقع الأمور على ما هي عليه، ومواقفه المنحازة إلى (إسرائيل) كما هي، والقتل والإجرام في العراق وفي أفغانستان يجري على قدم وساق، رغم ما يثار من خلاف في السياسات وخلاف مع الحكومة القائمة في (إسرائيل) والكلام كثير في هذا الموضوع، ورغم دغدغة العواطف التي تحدث بها أوباما زمن الدعاية الانتخابية والانسحاب من العراق، إضافة إلى ذلك تبرير المبررين للإدارة الأمريكية أنها لم تأخذ بعد مكانتها، وهي في مرحلة استكشافية وعلينا الانتظار حتى تتضح صورة وطريقة هذه الإدارة في التعامل مع القضايا العربية والإسلامية.
نحن نؤمن أن رئيس أي إدارة أمريكية هو أداة تنفيذية لسياسات ترسمها له مؤسسات كبيرة، لأن من يحكم الولايات الأمريكية هي هذه المؤسسات، وهذا عين العقل، ولا نعترض على ذلك ونتمنى من عالمينا العربي والإسلامي أن يكونا نظام مؤسسات لا نظام أشخاص ويحكمه الهوى لا العقل والمنطق والسياسات.
كنا نتمنى على أوباما بالفعل أن يأتي إلى غزة حتى يرى ما فعلته آلة الحرب الصهيونية التي تزودهم بها أمريكا، ويقف بنفسه على المشهد الحي الناطق بالحقيقة دون تزييف وبعيداً عن ما يصله من تقارير ويرى بأم عينيه حجم الجريمة الصهيونية، نطرح ذلك ونحن نعلم أن أوباما لم يستطع حتى لو أراد ذلك، ليس خوفاً على أمنه الشخصي، فالأمن في غزة باعتقادي يفوق الأمن في بلده، وفي البلاد التي يزورها؛ ولكن دوائر صنع القرار ترفض السماح له بمثل هذا العمل، لأن مراكز صنع القرار يسيطر عليها اليمين المسيحي الصهيوني الذي سيطر زمن الغابر بوش الابن.
الجميع ينتظر ماذا سيقول أوباما، والكل يتوقع النقاط التي سيركز عليها، كل حسب هواه ومنطلقاته، وقد تشمل الموضوعات التي تهم العالمين العربي والإسلامي( فلسطين العراق أفغانستان، إيران ) نعم قد تكون هذه النقاط التي سيتحدث بها أوباما الذي أرجو أن لا يلقي خطابه من داخل الجامع الأزهر؛ لما له من قيمة واعتبار عند المسلمين، وكذلك أن لا يلقي خطابه من مكان له اعتبار وطني أو قومي.
ونحن نرى أن الأهداف الأساسية من خطاب أوباما في مصر، بلد الأزهر الشريف، هو محاولة لإعادة الاعتبار للنظام المصري بعد الطريقة المهينة التي تعامل بها بوش، ومحاولته تهميش مصر وإبعادها عن قيادة المنطقة، وإسناد ذلك لبعض الأنظمة التي لا قيمة لها أو وزن يقارن بمصر، كما أن هذا الخطاب في وجهة نظرنا سيكون مقدمة لمشروع أو خطة يظن بوش أنها تمثل الحل الأمثل للقضية الفلسطينية، ونحن نعتقد أن هذه الخطة التي يعد لها أوباما للموضوع الفلسطيني لن تكون بأي حال من الأحوال خدمة للشعب الفلسطيني لأن خطة اوباما قائمة على إلغاء حق العودة، وعلى يهودية الدولة وهذا فيه شرعنة لأكبر عملية (ترانسفير) ترحيل لـ مليون ونصف مليون عربي، ونزع القدس من الفلسطينيين والمسلمين وإبقاء السيطرة الصهيونية على ما يسمى زوراً وبهتاناً ( حائط المبكى ) وأن تكون السيطرة السياسية والأمنية على القدس للصهاينة، إضافة إلى ذلك ستكون من ضمن خطة التطبيع الكامل مع دولة الاغتصاب لفلسطين، والاعتراف بها كدولة شرعية لها كافة الحقوق والامتيازات، وربما يطالب بدمجها في المنطقة عبر إلغاء الجامعة العربية وإنشاء مؤسسة أو جهة تسمح بدمج هذا الكيان داخلها، وأخيراً سيتحدث أوباما عن دولة فلسطينية منزوعة السلاح، في غزة وما يتبقى من الضفة الغربية بعد ضم المستوطنات المقامة فيها للصهاينة، وإحكام السيطرة على غور الأردن، وتكون هذه الدولة بلا جيش، أو سلاح، أو عاصمة تسمى القدس، هذا نعتقد لن يشمله خطاب أوباما ولكن هذه الزيارة تمهيد لما بعدها.
هذا بالمختصر الشديد، ولكن الموضوع الثاني الذي سيتحدث عنه أوباما خلال خطابه هو موضوع المسألة الإيرانية، وهذا يسير في اتجاهين، الأول يريد أن يطمئن العرب والمسلمين أن محاولة ترويض إيران للتخلي عن المشروع النووي ليست على حساب العرب وأصحاب المذهب السني في العالم الإسلامي، إلى جانب ذلك سيعمل أوباما إلى رسم خطة مع الدول العربية والإسلامية حال فشلت عملية الترويض لإيران حول كيفية المواجهة المستقبلية للقضاء على المشروع الإيراني الحالم في امتلاك سلاح نووي من وجهة نظر النظام العربي الرسمي والإسلامي والأمريكي، إضافة إلى ما سبق سيتحدث أوباما في الموضوع العراقي والأفغاني.
هكذا نتوقع أن يكون محتوى خطاب أوباما في مصر، ولعل اتخاذه دولة إسلامية من أجل إلقاء الخطاب له أبعاد نفسية كبيرة على العالم الإسلامي، وكأن لسان حاله سيقول جئتكم من بلدي أمريكا إلى بلد الأزهر الشريف كي أمد لكم يد أمريكا الناصعة في عهدي، أمريكا المختلفة عن ما سبق، هذا الاختلاف الذي نعتقده ونرجو أن يخيب أوباما ظننا أنه اختلاف في الشكل وليس في الجوهر.
ونختم بقول الله تعالى: [وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ [البقرة : 120]، قاعدة قرآنية نسوقها لكل الحالمين بالواقعية الأمريكية الجديدة ولكل المخططين للسياسات العربية والإسلامية، ونقول لهم ما قاله ربنا:[... َاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة : 282].
وحتى يلقي أوباما خطابه سننتظر معكم ونستمع لما يقول وسنصغي بعناية فائقة، وسنبقى على موقفنا وإن كنا نرغب أن نرى جديداً مختلفاً فعلاً وقولاً، وعندها سنغير موقفنا، ولكن قاعدة الشك ستبقى قائمة.


