ما حدث في أزمة أموال الاستثمار(المجنونة) شيء يدمي القلوب، ويدق ناقوس الخطر في طريقة التفكير لدى الناس، والتي غاب عنها حسابات العقل والمنطق، صحيح أن (صاحب الحاجة أرعن) كما يقولون، ولكن يجب عليه تحمل النتائج التي تترتب على عدم الفحص والتدقيق.
من لديه مال يريد زيادتها سواء بالاتجار أو بأي طريقة كانت، وهذا حق مشروع وهو مطلب شرعي، وهو عكس الاكتناز المنهي عنه بنص القرآن الكريم في قول الله تعالى 'يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون ' لكن الأهم من الاتجار وكسب المال، هو أنه لا بد أن يكون هذا الاتجار أو الاستثمار مشروعاً وبعيدا عن ما نهى عنه الشرع، حتى لا نقع في الحرام أو نسقط في وحل الربا، ولا نقع تحت قول الله تعالى' يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم '، فهل يوم أن قدمتم أموالكم سألتم أين سيكون الاستثمار؟ وما قيمة الأرباح ؟، وهل هذه القيمة معقولة ومقبولة؟، الواقع يقول غير ذلك، وأن هناك نوع من الإغراء، كان الأولى أن نتوقف أمامه، خاصة أن نسبة الأرباح في بداية موجة الاستثمار كانت عالية جداً، وهذا يضع علامة استفهام، كان يجب أن نقف عندها ونسأل، ولكن مع الأسف سال لعاب أصحاب الأموال أمام هذا الإغراء، فكانت الكارثة، التي يمر بها من ساهم بماله، والكارثة أكبر على من جمع مالاً من أيدي الناس وبات هو المسئول أمامهم وليس المصدر الأساسي، وهؤلاء أيضا أغرتهم شهوة المال، لأن ما ورد إلى مسامعي أنهم شاركوا الناس أرباحهم.
وأمام هذا كله يصرخ الناس وغالبيتهم يوجهون اللوم إلى الحكومة، وما الذنب الذي اقترفته الحكومة؟، وهل الحكومة دعتكم لتساهموا في مغامرة كهذه؟، وهل الحكومة فتحت لكم ويسرت مثل هذا المشروع؟، وهل استشرتم الحكومة في هذا الأمر؟، علماً أن رجالات في الحكومة شاركوا في الكارثة، كأشخاص وليس كحكومة، ووقع عليهم ما وقع عليكم، وهل الحكومة كانت ضامناً لأموالكم، أو ضامناً لمن أغراكم في هذه المتاجرة الخاسرة؟.
وأجزم، لو أن الحكومة طالبتكم بالتوقف عن هذا الاستثمار غير المضمون، لثارت ثورتكم، وكثرت اتهاماتكم للحكومة والمسئولين فيها، فلماذا اليوم تحملون الحكومة مسئولية ما حدث؟، علماً أن السوق في قطاع غزة سوق حر، والتجارة فيه مفتوحة ضمن ضوابط القانون ودون تدخل من الحكومة طالما التزم الأفراد بالقانون الذي ينظمها.
وعندما تبين للحكومة أن هناك اشتباه بأن ما يجري فيه شبه النصب والاحتيال، وبدأ الناس يصرخون، تدخلت الحكومة وحجزت أصحاب المشاريع الوهمية، وتحفظت على أموالهم المنقولة وغير المنقولة، وجمعتها جميعاً في مكان واحد، واتخذت الخطوات اللازمة حتى تضمن الحقوق، ولكن مع الأسف لم تتمكن من تحصيل أكثر من 16,5% من حجم الأموال التي أعطيت لأصحاب تلك المشاريع، وعليه، وهذا ظني أنها تعاملت مع الموضوع على أنه حالة إفلاس، وفي مثل حالة كهذه يتم توزيع ما تبقى من أموال عينية ونقدية، منقولة وثابتة بنسبة الديون أو رأس المال، فما تم تحصيله هو 16,5% وما تم توزيعه هو نفس النسبة من رأس المال، وهذا أقصى ما يمكن أن تفعله الحكومة، ولو لم تقم الحكومة باعتقال المسئولين عن ذلك وجمع ما لديهم من مال، لربما هربوا خارج البلاد، أو تعرضوا للقتل على أيدي الناس من أصحاب الأموال، لأنه كما يقول المثل ' المال معادل الروح'، إذن لماذا اللوم على الحكومة.
هكذا هي التجارة إما مكسب أو خسارة، قبلتم بالمكسب، فلماذا ترفضون تقبل الخسارة، فهذا يكون عين الربا، فلنقبل الخسارة أفضل ألف مرة من أن نأكل في بطوننا نارا.
ويقال إن هذه هي الدفعة الأولى، فوطنوا أنفسكم على أن تكون الأولى والأخيرة، أما أن تكون الأولى فهذا يستند إلى إمكانية تحصيل أموال جديدة، خاصة وأن أصحاب مشروع الاستثمار يقولون إن لديهم أموالاً مستثمرة في الخارج، وإن هذه الأموال قيد التحصيل، فلو تم تحصيل أموال جديدة ستوزع بنفس الطريقة التي وزعت في المرة الأولى.
إذن لا تلوموا الحكومة، بل اشكروها أن تمكنت من تحصيل ولو جزء من المال، ولكن اللوم الأول والأخير يقع عليكم، فلوموا أنفسكم واقبلوا بنصيبكم، ورفض استلام الدفعة الأولى لن يرد المال كله، ولكن خذوا هذه الدفعة وادعوا الله أن ييسر ويتم تحصيل أموال جديدة ليكون هناك دفعة ثانية، وربما ثالثة، ونختم بالمثل الفلسطيني ' ريحة البر ولا عدمه'، علَ الله يبارك لكم في هذه الدفعة ويربيها عنده، خير لكم من أن تأكلوا مالاً حراماً، ولكن عليكم وعلينا استخلاص العبر.
