الأحد 28 ديسمبر 2025 الساعة 04:10 ص

مقالات وآراء

عباس إذْ يُغْرِي نتنياهو بالتَّطَرُّفِ !!

حجم الخط
 
لا يتوقف رئيس السلطة محمود عباس ومُقَرَّبُوه عن التعبير عن تَبَرُّمِهِم من مواقف رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد بنيامين نتنياهو وأركان حكومته من الصراع، ويُطْلِقُون التهديداتِ بعدم استئناف المفاوضاتِ معه، في حالِ لم يتراجَعْ عن هذه المواقف. لكن للأسف الشديد، فإن ما يُقْدِمُ عليه عباس يُسْهِمُ تحديدًا في دَفْعِ نتنياهو لِتَبَنِّي مواقفَ أكثرَ تطَرُّفًا.

 

فعباس لم يقم بأيِّ خُطْوَةٍ عمليَّةٍ يمكن أن تُقْنِعَ نتنياهو بتغيير موْقِفِه، فماذا يعني أن تُوَاصِلَ الأجهزةُ الأمنِيَّةُ التابِعَةُ لعباس التنسيقَ الأمني مع الجيش الإسرائيلي، وهل يمكن أن يغير نتنياهو مواقِفَهُ، في الوَقْتِ الذي يَخْرُجُ قادة الأجهزة الاستخباريةِ الإسرائيليةِ عن طَوْرِهِم وهُمْ يُشِيدُون بـ ' كفاءة ' أجهزةِ عباس الأمنية في مُلَاحَقَةِ المقاومة في الضفة الغربية وضَرْبِها.

 

لقد حاولتْ سُلْطَةُ عباس أن تُقَدِّمَ دليلًا آخر لنتنياهو، في أنها لا تقلُّ جَدَارةً في محاربةِ المقاومة عن الأنظمةِ العربيةِ التي سارعتْ مُؤَخَّرًا للصدامِ مع حركات المقاومة العربية، عَبْرَ المؤتمر الصحافِيِّ الذي عقدَتْهُ أجهزة السلطة الأمنية، وأعلنتْ فيه القصةَ المتهاويةَ عن ضَبْطِ معملٍ لإنتاج الْمتَفَجِّرَات في أحد مساجد الضفة!

 

والمؤسف أن هذه الأجهزة الأمنية لا تُحَرِّكُ ساكنًا، في الوقت الذي يُوَاصِلُ فيه جيش الاحتلال أَعْمَالَ القَتْلِ في الْمُدُنِ والبَلْدَاتِ والْمُخَيَّمَاتِ الفلسطينية التي تَحْكُمُها السلطة، بحيث يبدو المشهد وكأنه تبادُلُ أدوارٍ بين السلطة وإسرائيل في محاربةِ المقاومة. وفي نفس الوقت، فإن إضفاءَ عباس مزيدًا من التَّشَدُّدِ على مواقفه من الحوار الوطني لا يُعْتَبَرُ دليلًا على جِدِّيَّتِه في التبرم من مواقف نتنياهو، فحكومة نتنياهو ترى في تواصل الانقسام مصلحةً استراتيجِيَّةً لها، ناهيك عن حرص عباس على تهنئة نتنياهو بعيد الفِصْح اليهودي، والذي مَسَّ مشاعِرَ كُلِّ فلسطيني وعربي ومسلم.

 

من هنا لم يكن من الْمُسْتَهْجَنِ أن يحاول نتنياهو جَرَّ الفلسطينيين إلى تقديم وعد بلفور فلسطينيٍّ جديدٍ لإسرائيل!

 

ففي محاولة منه لِرَمْيِ الكرة في مَلْعَبَيْ سلطة رام الله والإدارةِ الأمريكية، ولتسويغِ عَدَمِ استعدادِهِ لِخَوْضِ غمارِ تسويةٍ سياسِيَّةٍ جادَّةٍ، بهدف التَّوَصُّل لحل الصراع مع الفلسطينيين، عاد نتنياهو إلى الشروط التعجيزية، وضِمْنَ ذلك إعلانه أنه لن يتم الخَوْضُ في أي مفاوضاتٍ حول الدولة الفلسطينية، قبل أن يعترف الفلسطينيون بأنّ إسرائيل دولةٌ يهودية.

 

لا يريد نتنياهو فقط أن يعترفَ الفلسطينيون بما جاء فيما يُعْرَفُ بـ ' وثيقة الاستقلال '، التي وضعها رئيس الوزراء الإسرائيلي الأول ديفيد بن غوريون، عَشِيَّة النَّكْبَةِ التي حلَّتْ بالشعب العربي الفلسطيني عام 1948، بل إنه من خلال هذا الشرط التعجيزي يُرِيدُ مباركةً فلسطينِيَّةً لِمُخَطَّطِه الهادفِ لإسدال الستارِ على أي فُرْصَةٍ للتَّوَصُّلِ لتسويةٍ سياسِيَّةٍ عادِلَةٍ للصراع.

 

فماذا يعني اعترافُ الفلسطينيين بيهودية إسرائيل، حسب منطق نتنياهو؟

 

يحاول نتنياهو التَّهَرُّبَ من الإجابة على هذا السؤال، لكنّ والده المؤرخ المعروف بنتسيون نتنياهو، ومستشارَهُ السياسِيَّ الأكثرَ قُرْبًا عوزي عراد، الذي عيَّنَهُ مؤخرًا رئيسًا لمجلس الأمن القومي، يَرَيَانِ أن اعترافَ الفلسطينيين بيهوديةِ إسرائيلَ يَعْنِي في الواقع تسليمَهُم وقبولَهُمْ بالإجراءات التي تُقْدِمُ عليها إسرائيل لضمانِ طابعِهَا اليهودي، وضمن ذلك التفوق الديموغرافي لليهودِ في أرض فلسطين، والمتمثلة في:

 

أولًا: رَفْضُ حقِّ العودة للاجئين الفلسطينيين بشكل مُطْلَقٍ وبأي صورة، على اعتبارِ أن عودة اللاجئين تعني تهديدَ التفوق الديموغرافي لليهود في أرض فلسطين. وإن كان هناك إجماعٌ صهيونِيٌّ على رَفْضِ حقِّ العودة للاجئين، فإن نتنياهو يرى أن الارتكازَ في هذا الموقف على ضرورة الحفاظ على الطابع اليهودي للدولة، يمكن أن يَلْقَى تَفَهُّمًا لدى دول العالم.

 

ثانيًا: التخَلُّص من فلسطينيي 48 بوصفهم 'فائضًا سكانِيًَّا ' فلسطينيًّا، يُهَدِّدُ التفوق الديموغرافي لليهود، وذلك عَبْرَ إضفاءِ شرعيةٍ على الكثير من المشاريع الإجرامية، مثل: فكرة تبادُل السكانِ التي يرفعها وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان، والتي تَنُصُّ على ضم المناطق التي يتواجَدُ فيها فلسطينيو 48 بكثافةٍ، إلى مناطِقِ السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، مُقَابِلَ موافقةِ الفلسطينيين على ضَمِّ التجمعاتِ الاستيطانية في الضفة الغربية لإسرائيل.

 

وللحقيقة، فإنّ هذه الفكرةَ تَلْقَى استحسانًا لدى الكثير من الأوساط في اليسار والوسط؛ حيث إن زعيمة حزب ' كاديما ' تسيفي ليفني سَبَق وأعلنتْ تأييدَهَا لهذه الفكرة. وفي نفس الوقت، هناك الكثيرُ من البرامج التي تَعْكُفُ عليها المؤسسة الحاكمة في تل أبيب لِدَفْعِ فلسطينيي 48 إلى تَرْكِ المناطِقِ التي يقطنون فيها، مثل التمييز في تخصيص الموازنات، ومُخَصَّصَاتِ الضمانِ الاجتماعي، والتضييقِ الأمني، وعدم مَنْحِ رُخَصٍ للبناء وغيرها من إجراءات، فضلًا عن الدعوات لحرمانِ فلسطينيي 48 من حقوق المواطنة، كما بَرَزَ ذلك في البرنامج الانتخابي لحزب ' إسرائيل بيتنا ' بزعامة أفيغور ليبرمان.

 

ومن نافلة القول أن ضمان يهوديةِ الدَّوْلَةِ في نظر جميع النُّخَبِ الحاكمة في إسرائيل يعني مُوَاصَلَةَ تهويدِ مدينة القدس، وإضفاءَ شَرْعِيَّةٍ على الإجراءات القمعيةِ الْمُمَارَسَةِ ضِدَّهُم، سواءً من قبل الحكومة، ومن قِبَلِ بلدية الاحتلال في المدينة برئاسةِ رئيسِ البَلَدِيّة الفاشي نير بركات.

 

ثالثًا: الاحتفاظُ بالمناطق التي تتواجَدُ فيها ' مقدسات دينية ' مزعومةٌ لليهود، سيما في الخليل، ونابلس، وبيت لحم.

 

رابعًا: ضَمَانُ تَفَوُّقِ إسرائيل كـ ' دولة ' يهودِيَّةٍ على اعتبار أنَّ الأخطار ستُوَاصِلُ تهديدَها، وبالتالي فإن الإصرارَ على يهوديةِ الدولة يعني أن يُسَلِّمَ العربُ بالتفوق الاستراتيجِيِّ الإسرائيليِّ في المجال العسكري، دون أن يكون من حقهم خَرْقُ التوازُنِ القائِم.

 

المشكلة أن إسرائيل تستند في إصرارها على اعترافِ العرب بأنها يهوديةٌ إلى إسنادٍ أمريكِيٍّ واضِحٍ قدَّمَتْهُ لها الإدارة الأمريكية السابقة؛ حيث سَبَقَ للرئيس الأمريكي السابق جورج بوش أنْ أعلن في قمة العقبة عام 2004 أنّ الولاياتِ المتحدةَ تَعْتَرِفُ بإسرائيل كدولةٍ يهودية. من هنا فإن نتنياهو سيُوَاجِهُ الرئيس الأمريكي باراك أوباما بهذا الاعتراف، والتأكيد على احترامِ التزامِ الإدارة السابقة.

 

من هنا، فإنه في حال لم يغير عباس طريقةَ تعامُلِهِ مع الشأن الفلسطيني العام بشكل جذري، فإن نتنياهو لا يمكن أن يُغَيِّرَ مواقِفَه الْمُتَطَرِّفَةَ.