بقلم/محمد سلامة
طالعتنا وسائل الإعلام قبل يومين ما تناولته تقارير إخبارية أمريكية وإسرائيلية حول إقدام طائرات 'مجهولة' بقصف قافلة شاحنات داخل الأراضي السودانية، قيل إنها كانت تحمل أسلحة وصواريخ متطورة إلى المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة أثناء العدوان الإسرائيلي الأخير وإن كان الغموض ما يزال يلف الهجوم .
ما جعلني أتطرق إلى هذا الموضوع وإن كنا معتادين على حدوثه , هو الشعور بالخجل والعـار عندما تنتهك أمتنا في عقر دارها وليس ذلك فحسب , بل يتوعد العدو بأنه لن يتوانى في أن تصل يداه إلى أي منطقة يشعر أنها تشكل خطرا على أمنه مهما كان موقعها على الخـارطة .. أشعر بالخجل لأن هذه الأمة كانت في يوم من الأيـام في مقدمة الأمم بل سادت العـالم بأسره بفكرها ودينها وقوتها ورباطها الذي انفك اليوم وأصبح من الصعب إعـادة ربطه لأن العدو ما يزال يتربص بها الدوائر , ثم أتسـاءل مرة أخرى لماذا أشعر بالخجل وهذه ليست المرة الأولى التي يعتدى فيها على أمتنا , ألم يقصف حمام الشاطئ في تونس الخضراء , ألم تنتهك حرمة العراق قبل احتلاله أكثر من مرة في وضح النهار عندما قصفوا مفاعله النووي ودمروا ملجأ العـامرية في عاصمته , ألم يدمروا المنشأة التي اعتقدوا أنها نواة مشروع نووي في بوكمال جنوب شرق سوريا قبل أشهر, ألم يرتكبوا مجزرة داخل مطار عنتيبي في أوغندا ليس بالطـائرات إنما بقوات خاصة استدعيت لتخليص ما سموه عملية إنقـاذ رهائن مختطفين من قبل مجموعات 'إرهابية' .
كل ذلك يجعلني أفكر ألف مرة لمـاذا وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم من هوان وذلة , ماذا لو اخترقت طائرة عربية مدنية أجواء عربية أخرى أو أجواء الكيان الصهيوني دون سابق إعلام ولو خطأ ألا تقوم القائمة ؟ ماذا لو تسلل جندي عربي تائها في أرض عربية أخرى مجاورة ألا توصف دولته بكل الأوصاف ؟ هل هذه هي السيادة التي يتكلم عنها قادتنا ؟ أين هم وزراء الداخلية والدفاع العرب؟ أم أنهم مشغولون في التجسس على شعوبهم وقمع أحرار الأمة ؟ أين منظومة الدفـاع الجوي العربية التي يتفاخر بها العرب في عروضاتهم الكشفية والعسكرية من التصدي لتلك الطـائرات ؟ أين الرادارات والأقمـار الصناعية من كشف هذا الخرق الفاضح ؟ لمـاذا تكدس كل هذه الأسلحة إذا لم تستخدم في مثل هذه المواقف , العدو الصهيوني مستمر في اقتناء أحدث الأسلحة من طائرات أف 35 يعني أف 16 + أف 16 + 3 = 35 ليس لتخزينها !! إنما لضرب ما يسميه أوكار الإرهـاب , هذا يدفعنا لأن نستحضر المثل الشعبي الفلسطيني الذي يقول 'المال السايب بيعلم السرقة' .. بعد أن اغتصبت فلسطين ورضينا بهذا الحال الذي سيبقى وصمة عـار تلاحق من تواطأ في ضياعها , تمتد الأيدي اليوم للعراق ومن ثم إلى سوريا وهاهي السودان والحبل على الجرار إذا لم يستفيق العرب من غفلتهم ويوحدوا كلمتهم .. نعلم أن أعداء الأمة العربية يسعون إلى إتباع سياسة لخبطة الأوراق إما بدق الأسافين بين الجيران من الدول مثل قطر ومصر ولبنان وسوريا أو بين الأحزاب داخل السودان أو اليمن أو تحريضهم على بعضهم كما هو حاصل اليوم من انقسام العالم العربي إلى حزبين حزب مع إيران وآخر مع أمريكا .. كل هذا يجعل من القمة العربية المرتقبة أمرا صعبا لتوحيد صفها أمام ملفات ساخنة بعد أن كان الأولى في هذه القمة أن تولي اهتماما لما حصل في غزة وما هو جار أيضا في القدس والأراضي المحتلة ..
قصف السودان رسالة لكل العرب والمسلمين أنه لن ترفع لنا هـامة إلا إذا توحدنا , وصدق الشاعر العربي الذي قال في الاتحاد: تأبى العصي إذا اجتمعن تكسرا.. وإذا افترقن تكسرت أحادا , أما إذا بقي الأمر على ما هو عليه فلننتظر الأكثر, وأي أكثر من أن تأتي دول غربية بمباركة عربية لتعدم حاكما عربيا وسط العرب ، وربما سيتطور الأمر ويُخطف البشير من بيته بالخرطوم ولن ينتظروه حتى يستقل طائرة خارج حدود بلاده , هذه هي النتائج بعد سقوط آخر خلافة توحدنا عام 1927 .
كما أن هذا العملية قد تشكل رسالة إلى مصر التي هي أقرب إلى إسرائيل من السودان , فهذه الجريمة هي في الواقع تهديد صريح للأمن القومي المصري وكما يقال 'إياكي أعني واسمعي يا جـارة' , فجدران مصر أصبحت متصدعة أو مصطلح أدق بالعامية 'واطية' وواهنة بعد اتفاقية كامب ديفيد وما تلتها من معاهدات , لقد استطاع الصهاينة بعزل مصر عن محيطها التحكم بمفاصل الحياة ألاقتصادية فيها , وها هم اليوم يحاولون من خلال تدخلهم السافر في السودان لتقسيمه والسيطرة عليه , ومن ثم خنق الشعب المصري من خلال التحكم بالشرايين التي تمده بالحياة , ومع الأسف الشديد مايزال بعض المغفلين في مصر يتراقصون على أنغام هذه المعاهدة المشؤمة , وهنا أود القول 'أنه قد يكون السلام مطلب للعرب إلا أن الأيـام أثبتت أنه بالنسبة للصهاينة مرحلة مؤقتة', لذلك على الحكومة المصرية أن تستيقظ من غفوتها وتعود لجذورها , وألا نرى في الأيام القادمة المجرم أفيغدور ليبرمان وزير خارجية إسرائيل يطأ أرضها أو يقبل وزير خارجيتها بعدما هدد بضرب سدها العـالي .. عندها فكبر أربعاً!!


