فجأة وبلا مقدمات دخلت مالية حكومة فياض غير الحاصلة على الشرعية من المجلس التشريعي في أزمة خانقة , أدت إلى تأخر صرف الرواتب لغالبية موظفي الحكومة حتى اللحظة , ولا يبدو أن موعدا محسوما ونهائيا لصرف الرواتب , حيث تخرج على الرأي العام إحدى الشخصيات التابعة لفياض لتحدد يوما للصرف , ثم يأتي آخر وينفي...والغريب أن هذا الموقف جاء في ظل انفتاح دولي على فياض لمواقفه المُتطابقة مع شروط الدول المانحة , ولمواقف حكومته المنسجمة والمتعاونة مع الاحتلال , وللرضا الحاصل له من قبل دول ذات وزن مادي كبير عربيا , وعلى ما يبدو أن فياض نسي أو تناسى انه أعلن مرارا وتكرارا عن إنجازاته على صعيد الوضع المالي , وسد العجز في الخزينة الرسمية , وإطلاق يد الاستثمار , وتحقيق الانتعاش الاقتصادي في الضفة الغربية ,وان المردود المالي لمؤتمر أنا بوليس تحقق بدرجة عالية , ووصل لوزارة المالية حوالي مليار ونصف المليار من الدول المانحة حتى اللحظة...واستعرض فياض عضلاته من خلال مؤتمر الاستثمار الأول في بيت لحم , والثاني في نابلس , وينتظر عودة غزة ( للشرعية ) لعقد مؤتمر استثمار في قطاع غزة , ومازال يتشدق هو ووزرائه بأنه ينفق جزء كبير جدا من ميزانية حكمته على غزة ( كاذب لأنه لم ينفق فلس واحد إلا على موظفي السلطة من غزة والذين لا يعلمون والجالسين في بيوتهم ) , وسط هذا التهليل والتصفيق وفرض العضلات لإنجازات فياض الاقتصادية تحدث انتكاسة في الخزينة , وتعلن إفلاسها , وتتوقف عملية صرف الرواتب لهذا الوقت... والسبب الذي تم إعلانه من قبل فياض شخصيا هو أنه أرسل حوالي سبعة وستين مليون دولا للمتضررين في غزة , لذلك حدثت الأزمة!!! وقبل أن أتحدث في الأسباب وراء الافتعال المقصود فإننا نتساءل أليس دفع رواتب لعشرات آلاف الموظفين الذين يعيلون مئات الآلاف من الأطفال والنساء والشيوخ هو تعزيز لصمود سكان القطاع , وأفضل مساعدة لهم... هذا السؤال في ظل حسن النوايا وصدق الأسباب المعلنة , , وحتى لو كان كلامهم صحيحا فالذي يريد أن يسد ويغلق ثغرة لا يمكن أن تكون على حساب أخرى , والذي يريد أن يكون وجيها وكريما عليه أن يُنفق من جيبه لا من جيب غيره .والذي يريد أن يكون كبيرا ومختارا عليه أن يُوسع مقعده ( ويُخرخش جيبه ) ويلبس العباءة الجديدة والطويلة. أما في حقيقة الأمر ومتابعة الميدان في قطاع غزة تشير إلى أن الأزمة مفتعلة ,ومفبركة وأن المواطن المتضرر في قطاع غزة لم يتسلم فلسا واحدا من الضفة .ولكن بقراءة الموقف السياسي والفكري والتنظيمي لفياض ومن حوله يستطيع تحديد مجموعة من الأهداف من وراء هذا الافتعال لهذه الأزمة من أبرزها :
أولا : إحباط محاولات الحوار بين فتح وحماس التي بدأ التحضير لها في القاهرة, واستخدام ورقة الراتب ضد حركة فتح التي شعر جماعة فياض أنها ممكن أن تخرج عن الطاعة وتتعامل مع حماس , وهذا أسلوب تم استخدامه قبيل أسلوا ضد موظفي منظمة التحرير , وضد موظفي السلطة أواخر عهد الرئيس عرفات , وضد موظفي السلطة بعد نجاح حماس في الانتخابات , وها هو الموقف يتكرر , وفي ذلك تأكيد جديد على أن المال المدفوع من قبل الجهات المانحة هو سياسي بامتياز بمرتبط بالتخلي عن الكرامة والثوابت والإرادة والحق في الاختيار وفوق كل ذلك التخلي عن الحق في فلسطين (إنما ندعمكم ونطعمكم لوجه الاحتلال وأفكاره ومبادئه ) .
ثانيا : الاستمرار في الكذب والدجل وقلب الحقائق بأن فياض وجوقته ينفقون على غزة ,وان موقفهم من الحرب مشرف وداعم , ومسح موقف العار الذي بدر منهم على أمل بأن الحرب ستقضي على غزة وشعبها ومقاومتها والحكومة الشرعية .
ثالثا : التباكي في المحافل العربية والدولية , وإبداء المسكنة والحاجة , من اجل أن تتحول الأموال التي يتم رصدها وجمعها لأعمار غزة إلى خزينة فياض ليتحكم فيها كما شاء, ويلعب دوره القذر في فرض الخناق على الإنسان الفلسطيني من خلال التحكم في لقمة العيش... وخاصة بات يدركون جيدا أنهم غير مقبولين لدى قطاعات واسعة من المستوى الرسمي وكل المستوى الشعبي حيث يتم الاشتراك من الكثير من الداعمين بالا تصل أموالهم لفياض .
رابعا : يرى الكثير من المحللين والمراقبين بان فياض أراد لفت نظر حماس وفتح بأنه المفتاح لأي دعم دولي في ظل أي حكومة وفاق مقبل , بمعنى أنه من غير المسموح لهم تجاهل فياض فيتشكل الحكومة ويجب الاحتفاظ بالملف المالي , لضمان تدفق المال الدولي .
خامسا : كما أننا نعتبرها خطوة إستباقية من فياض على أعتاب القمة العربية الدورية في الدوحة , والتي من المُتوقع أن تتناول بشيء من التفصيل الملف الفلسطيني على الصعيد السياسي الداخلي والخارجي , والصعيد الاقتصادي والمالي , والتباكي فيها بأن الأزمة خانقة تتطلب دعما .في هذا السياق نحلل ونقرأ عدم صرف الرواتب حتى الآن من قبل فياض , فالشعب بات واعيا , ويعلم جيدا تتابع تطبيق هذه السياسة , ويفهم أبعادها وأهدافها ... ولكن يبقى السؤال ما هو موقف حركة فتح وبقية الفصائل والكتل البرلمانية من هذا التحدي الجديد ؟! هذا عنوان المقال المقبل عن شاء الله يوم الخميس.


