بعد أن فشل رهان كسر إرادة الشعب الفلسطيني في قطاع غزة وكسر المقاومة ، هذه المقاومة التي خرجت في أعقاب العدوان الصهيوني أكثر قوة وأكثر احتضاناً من قبل الشعب الفلسطيني والشعوب العربية والإسلامية وما تبقى من ضمير حي في العالم الغربي.
أول أمس شهد تنصيب الرئيس الأمريكي باراك أوباما ليكون الرئيس الرابع والأربعين للولايات المتحدة والرئيس الأول لها من أصول افريقية، ألقى أوباما خطاباً مقتضباً، لا شك أنه كان قوياً في اللغة و في العرض، شرح فيه الرئيس الأمريكي الجديد استراتيجية الأعوام الأربعة للإدارة الأمريكية شدد فيها أوباما على أن هناك شيئاً مختلفاً سيكون في سياسته الخارجية سواء في العراق أو أفغانستان وكذلك في فلسطين.
لم يكن أوباما مختلفا في موقفه من اليهود ومن دولة الاحتلال، وقدم خطابا مواليا لليهود وداعماً للاحتلال وعلى حساب الشعب الفلسطيني وحقوقه، ولا نعتقد أن أوباما لديه جديد يمكن أن يقدمه للشعب الفلسطيني مختلف عن الإدارات الأمريكية السابقة، والشيء المختلف ربما يكون في أدوات التعامل مع الموضوع الفلسطيني وحقوقه في إقامة دولته وعودته إلى دياره التي هجر منها.
علينا أن لا نتوقع كثيرا من إدارة الرئيس الأمريكي أوباما، وموقفه لن يكون داعما لحق الشعب الفلسطيني في دولته المستقلة وتحقيق حقوقه في العودة إلى دياره، ويبدو أن أوباما سيعمل على مساندة دولة الاحتلال على حساب حقوقنا، ومن القراءة الأولى لكلمات الرئيس الأمريكي فإن موقفه من حركة حماس لن يطرأ عليه تغيير عن السياسات الأمريكية، وهذا يعزز قناعاتنا بأن السياسة الخارجية الأمريكية في موضوع القضية الفلسطينية والاحتلال الصهيوني لا يرسمها الرئيس الأمريكي وأن هناك مؤسسات كبيرة من تتولى رسم السياسة الإستراتيجية وأن مهام الرئيس هي تنفيذ ما يرسم له من قبل راسمي الإستراتيجية الخارجية الأمريكية ، فقد نجد تغييراً في أسلوب أوباما لإدارة الملف دون أن يحدث تغيير في ثوابت السياسة الخارجية وموقفها من الدعم المطلق لقوات الاحتلال على حساب شعبنا وحقوقه.
مقابل ذلك المطلوب من حركة حماس التي قادت المقاومة في قطاع غزة إلى جانب القوى الأخرى التي خاضت معركة التصدي للإرهاب والعدوان الصهيوني وجرائمه التي طالت كل مقومات الحياة، دون النيل من إرادة الشعب الفلسطيني التي كانت عنوان المرحلة وكانت المنتصر على العدوان، فعلى حماس ضرورة التمسك بحقوق الشعب الفلسطيني في كل القضايا التي ستطرح في الأيام القادمة، وعلى رأسها موضوع الحوار الفلسطيني الفلسطيني الذي يسعى البعض من خلاله إلى إعادة وحدة الشعب الفلسطيني.
ما لم تتغير السياسات المتبعة من قبل سلطة رام الله وأجهزتها الأمنية في الضفة الغربية والعمل على إعادة الاعتبار لكل القوى وعلى رأسها حركة حماس عبر وقف الحملات الأمنية والاعتقالات والإفراج عن المعتقلين، لا نعتقد دون ذلك يمكن أن يكون هناك حوار يفضي إلى وحدة وأن كل ما سيبذل من جهد هو مضيعة للوقت ولن يتخطى هذا الحوار أي مرحلة وسيبقى يراوح مكانه، والنظرة إلى قطاع غزة فقط دون الضفة الغربية فيه تعزيز للانقسام، والحديث عن الأجهزة الأمنية وإعادة ترتيبها وبنائها على أسس مهنية غير فصائلية يشمل كل الأجهزة الأمنية سواء في قطاع غزة أو الضفة الغربية، هذه الأجهزة لابد أن تحمل أجندة وطنية فلسطينية وأن لا تكون أداة لحماية امن الاحتلال وأن تكون سداً منيعاً في وجه الاحتلال كما هو جارٍ في قطاع غزة دون إقصاء أو تهميش لكافة القوى الفلسطينية وان لا تكون هذه الأجهزة حكرا على فصيل دون آخر، إلى جانب ذلك لابد من الاعتراف بشرعية الانتخابات التي جرت ونتائج هذه الانتخابات قبل الحديث عن انتخابات رئاسية وتشريعية جديدة، هذا الاعتراف بالشرعيات ليس مقصورا على جزء من الشعب الفلسطيني وأقصد هنا حركة فتح، بل يجب الاعتراف من الدول العربية والعالم الغربي بهذه الشرعيات التي أفرزتها صناديق الاقتراع، ودون ذلك يصبح الحديث عن انتخابات فيه خدعة تهدف إلى تجاوز شرعية حماس وشرعية صناديق الاقتراع.
الحوار الوطني والوحدة هي مطلب حقيقي للشعب الفلسطيني وحماس هي أول من نادى به ولكن يجب أن يبنى على أسس سليمة وقاعدة متينة وأن يتولى هذا الحوار جهات محايدة تقف من الجميع بشكل متوازن وان لا تميل مع طرف على حساب طرف آخر، ولا نرى أن مصر تصلح لهذه المهمة.
ومن هنا قد تكون تركيا مرشحا قويا لتولي هذا الحوار بدلا من مصر ، لذلك على الحكومة التركية ضرورة التقدم نحو رعاية الحوار الفلسطيني الفلسطيني لأنها طرف أكثر حيادية ونزاهة، فالشعب الفلسطيني لم يعد يثق بالمواقف المصرية الرسمية لأنها باتت غير مؤتمنة على حياة الشعب الفلسطيني ومصالحه ، وانحازت مع الاحتلال الصهيوني على حساب الدم الفلسطيني، كما أنه يجب الضغط على مصر من أجل فتح معبر رفح وتجاوز اتفاقية 2005.
كذلك إذا أريد لهذا الحوار النجاح يجب أن يتزامن معه إعادة تفعيل وبناء منظمة التحرير الفلسطينية لتصبح ممثلاً حقيقيا للشعب الفلسطيني وتضمن كافة القوى والفصائل الفلسطينية على أسس سليمة بعيدة عن الهيمنة والإقصاء.
من هنا فالحوار والمصالحة مسألة لا يختلف عليها من يسعى لتحقيق مصالح الشعب الفلسطيني ويعمل على حماية ثوابته ومقدراته ويعمل على دعم المقاومة التي باتت إستراتيجية الشعب الفلسطيني، لأن معركة غزة الأخيرة أكدت أن المقاومة هي خيار الشعب الفلسطيني، وبقية الخيارات يمكن الاستعانة بها على أن تكون داعمة للمقاومة وتحقق مصالح الشعب الفلسطيني.


