أمرت محكمة أمريكية مطلع شهر تشرين ثاني الجاري السلطات بإطلاق سراح 17 معتقلاً من الصينيين الإيجور المسلمين (من أهالي إقليم سينجيانغ الصيني) من معتقل خليج غوانتانامو في كوبا، والسماح لهم بالإقامة في الولايات المتحدة. والمعتقلون بحسب ناطق باسم الخارجية الصينية هم من حركة تركستان الشرقية الإسلامية التي تضعها الولايات المتحدة على قائمة المنظمات الإرهابية!!
تابع المراقبون بكثير من الاهتمام تلك الوساطات التي تقودها دول عربية من أجل فتح حوار مباشر بين الولايات المتحدة وبين حركة طالبان، حتى أن رجلاً ليس له تلك الفاعلية في الحركة، وكان معتقلاً عند الأمريكيين منذ سنوات ما لبث أن أصبح موضع حفاوة هنا وهناك.
قيل أن رسالة غير مباشرة وصلت رئيس المكتب السياسي لحركة حماس من طرف وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس، وقيل إثرها إن الفيتو الأمريكي على الحوار بين فتح وحماس قد رفع عملياً، وترك للقاهرة أمر ترتيب أوراقه.
هناك اتصالات تجري بين الدوائر الأمريكية وبين الفاعلين في المقاومة الصومالية، ونقلت بعض الدوائر أن عروضاً مغرية قد قدمت لتلك القوى مقابل إلقاء السلاح والانخراط في العملية السياسية، بل إن واشنطن لا تبدي معارضة لاستلامها السلطة وفق ترتيبات معينة.
هناك اتصالات أخرى قيل إنها تجري بين دوائر في المقاومة العراقية (الإسلامية بالطبع) وبين وسطاء وعناوين أمريكية، وبالطبع من أجل إيجاد صيغة لانخراطها في العملية السياسية.
تلك حزمة أخبار حقيقية لها مدلولاتها التي لا ينبغي أن تمر على المراقبين والعقلاء، وقد قلنا غير مرة هنا وفي منابر أخرى إن واقع العلاقة الأمريكية بالشرق الأوسط، ومن ضمنه القوى الإسلامية هو نتاج ما بعد الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفياتي، لكنه بدرجة أهم نتاج تركيز جورج بوش على المصالح الإسرائيلية وليس المصالح الأمريكية التي كانت تحتم عليه التصدي للمنافسين القادمين لبلاده مثل الصين وروسيا والبرازيل والهند، وليس تشتيت الجهد في مغامرات رعناء مع قوى لن تنافس أمريكا في المدى القريب، ولا حتى المتوسط.
الآن، وفي ظل الدمار الذي ألحقته الإستراتيجية «البوشية» بنفوذ وهيبة أمريكا، وفي ظل مسلسل الفشل من العراق إلى أفغانستان والصومال ولبنان، وبالطبع في ظل الانهيارات الاقتصادية، ومن ثم الصعود الصيني والروسي، صار على الولايات المتحدة أن تعيد بناء إستراتيجيتها وفق الأسس التي تعنى بمصالحها ومعركة التصدي لمنافسيها الكبار.
من هنا صار أوباما حاجة أمريكية، بعد أن كان مجرد رغبة، بحسب بعض المعلقين الأمريكيين، وإذا لم تحدث مفاجأة من العيار الثقيل، فإنه سيكون الرئيس القادم، أولاً لأنه أسود، وثانياً لأنه ديمقراطي، مع العلم أن الإستراتيجية الجديدة للولايات المتحدة لن تكون هي ذاتها القديمة حتى لو جاء ماكين إلى السلطة، فالقوى الفاعلة في المؤسسة العسكرية والسياسية، وهي ذاتها التي منعت بوش من ضرب إيران، لن تسمح بتكرار إستراتيجية ألحقت كل تلك الأضرار بالولايات المتحدة.
نتذكر ها هنا أن الإسلاميين قد سبق أن انخرطوا في معركة الولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفياتي (لم يفعلوا ذلك عمالة، وإنما في سياق محاربة الشيوعية وتثبيت الهوية الإسلامية لمجتمعاتهم)، ومن المؤكد أن ما هو مطلوب اليوم هو تكرار المشهد، مع العلم أن الدور الحقيقي في المعركة كان للأنظمة «الرجعية» بحسب التعبير اليساري القديم (محور الاعتدال بحسب التعبير الأمريكي الجديد)، بينما كان الإسلاميون مجرد جنود فيها.
الآن يسعى الأمريكان لتكرار اللعبة، فكل القوى التي يمكنها المساهمة في مواجهة الصين وروسيا، من الإسلاميين الصينيين إلى الشيشان، إلى الأفغان، إلى مختلف القوى الإسلامية في آسيا الوسطى ستغدو صديقة، ولا يستبعد أن يكرر الصينيون الذين أشرنا إليهم في الولايات المتحدة قصة الشيخ عبد الله عزام. ولعلنا نشير هنا إلى حقيقة أن الشيخ لم يقتل بسبب نشاطه الأفغاني، بل بسبب نشاطه الفلسطيني، وبالطبع حين بدأ يدرب شباب حماس على السلاح، وإن لم يعترف الإسرائيليون بالعملية حتى الآن.
في ضوء الإستراتيجية الجديدة سيكون على الولايات المتحدة أن تقوم بتهدئة ملفات الاشتباك مع الإسلاميين في المنطقة، من الصومال إلى العراق، إلى أفغانستان، أما في الساحة الفلسطينية، فسيعتمد الأمر على مواقف حماس، ومدى انخراطها في عملية سياسية قد تفضي إلى حل مع الطرف الإسرائيلي.
لا يعني ذلك أن الموقف من الظاهرة الإسلامية سيتغير بالمطلق، إذ ستبقى الأنظمة العربية القائمة هي الحليف الأقوى، وسيترك لها أمر التعامل مع إسلامييها في الداخل، وغالباً في سياق من الدمج في ديمقراطية الديكور التي تمنحهم كوتا لا تسمن ولا تغني من جوع، بقدر ما تفضي غالباً إلى انفضاض الجماهير من حولهم. ويبقى موقفهم من الدولة العبرية واحداً من أهم محددات العلاقة معهم.
في ضوء ذلك كله، على الإسلاميين أن يكونوا حذرين جداً من هذه اللعبة، أكان حملة السلاح منهم (المقاومون)، أم الإصلاحيون، إذ لا ينبغي أن ينخرطوا في مواجهات مع القوى التي ستأكل من نفوذ الولايات المتحدة، بل عليهم أن يواصلوا العمل على تحجيم نفوذها، ومن ثم الدفع باتجاه عالم آخر متعدد الأقطاب يمكن للمسلمين أن يجدوا فيه مكاناً تحت الشمس.


