السبت 01 اغسطس 2026 الساعة 02:05 م

الأخبار

مفاوضات وقف النار.. اختبار بين فرص التثبيت وعراقيل الاحتلال

حجم الخط
إذاعة صوت الأقصى

تدخل مفاوضات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة مرحلة مفصلية، في ظل مساعٍ تقودها الأطراف الوسيطة لتثبيت التفاهمات والانتقال إلى مراحل جديدة من الاتفاق، وسط تحديات سياسية وأمنية معقدة، أبرزها موقف حكومة الاحتلال الإسرائيلية من تنفيذ الالتزامات، وملفات المرحلة المقبلة المتعلقة بإدارة القطاع وسلاح الفصائل الفلسطينية.

ورغم الأجواء التي رافقت الإعلان عن التفاهمات، لا تزال المخاوف قائمة من إمكانية تعثر الاتفاق بفعل التجاذبات الداخلية في "إسرائيل"، خاصة مع تصاعد الانتقادات من التيارات اليمينية المتطرفة التي تعتبر أي خطوة باتجاه وقف الحرب تراجعًا سياسيًا وأمنيًا.

ويرى المتخصص في الشؤون الفلسطينية-الإسرائيلية الباحث المصري إبراهيم الدراوي، أن المرحلة الحالية شهدت تقدمًا مهمًا بفعل الجهود المصرية التي نجحت في بلورة رؤية واضحة للانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للسلام، لا سيما فيما يتعلق بالملفات الأكثر تعقيدًا، وفي مقدمتها قضية سلاح الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة.

ويقول الدراوي إن القاهرة تمكنت من الوصول إلى تصورات واضحة بشأن كيفية التعامل مع ملف السلاح، وآليات تنظيمه خلال المرحلة المقبلة، مشيرًا إلى أن النقاشات ركزت على الجهة التي سيكون السلاح تحت مسؤوليتها، وأن الطرح المتداول يقوم على أن هذا السلاح لن يكون تحت السيطرة الإسرائيلية، وإنما ضمن إطار فلسطيني.

ويضيف أن وجود توافق حول هذه الملفات يمثل خطوة مهمة، كونها من أكثر القضايا التي شكلت عائقًا أمام أي ترتيبات سياسية وأمنية مستقبلية، موضحًا أن نجاح الاتفاق لا يرتبط فقط بوقف إطلاق النار، بل بمدى القدرة على بناء آلية تضمن تنفيذ بنوده ومعالجة الملفات العالقة.

ويعتقد الدراوي أن الاتفاق نجح في مرحلته الحالية بشكل كامل، لكنه في الوقت ذاته يشير إلى وجود عراقيل كبيرة قد تهدد استمراره، خصوصًا من الجانب الإسرائيلي، معتبرًا أن "تل أبيب" لم تُظهر التزامًا كاملًا بما تم التوافق عليه بين الوسطاء والأطراف المشاركة.

ويشير إلى أن التوصل إلى الاتفاق جاء نتيجة ضغوط مارستها الولايات المتحدة على رئيس حكومة الاحتلال المتطرف بنيامين نتنياهو، بالتزامن مع تحركات مصرية مكثفة ولقاءات جمعت الفصائل الفلسطينية، وعلى رأسها حركة حماس، بهدف الوصول إلى صيغة يمكن البناء عليها خلال المرحلة المقبلة.

ويضيف أن المجتمع الدولي والوسطاء أمام اختبار حقيقي، يتمثل في القدرة على إلزام "إسرائيل" بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه، وعدم السماح بتحويل الاتفاق إلى مجرد تفاهمات غير قابلة للتطبيق على الأرض. 

ويرى الدراوي أن أحد أبرز التحديات التي تواجه الاتفاق يتمثل في الحسابات السياسية الداخلية لدى حكومة الاحتلال، خاصة مع تأثير التيارات اليمينية المتطرفة على القرار السياسي في تل أبيب.

ويقول إن بعض الأطراف داخل الحكومة الإسرائيلية تنظر إلى وقف الحرب باعتباره خسارة سياسية، خاصة في ظل اعتقادها بأن استمرار التصعيد يمثل عنصرًا أساسيًا في الحفاظ على حضورها السياسي، مشيرًا إلى أن مستقبل نتنياهو وحلفائه يرتبط بدرجة كبيرة بمسار الحرب والتطورات الميدانية.

ويتابع أن اليمين الإسرائيلي المتطرف يروج لفكرة أن الاتفاق يمثل تراجعًا أمام حركة حماس، رغم أن التفاهمات جاءت نتيجة ضغوط دولية وإقليمية، وأن استمرار الحرب قد لا يخدم مصالح "إسرائيل" على المدى الطويل.

ويؤكد أن المطلوب من الجانب الإسرائيلي هو الالتزام بما تم التوصل إليه، باعتبار أن أي محاولة للتنصل من الاتفاق ستعيد المنطقة إلى دائرة التصعيد، وتفتح الباب أمام أزمة جديدة.

دور الوسطاء

في المقابل، يرى الدراوي أن دور الوسطاء، خصوصًا مصر، سيكون حاسمًا خلال المرحلة المقبلة، موضحًا أن القاهرة لا تكتفي بدور الوسيط، بل تعمل على توفير دعم إقليمي ودولي لضمان استمرار الاتفاق ومنع انهياره.

ويشير إلى أن مصر تمارس ضغوطًا باتجاه الولايات المتحدة، باعتبارها الطرف الأكثر تأثيرًا على إسرائيل، كما تسعى إلى بناء موقف دولي وأوروبي داعم لتنفيذ التفاهمات.

ويؤكد أن استقرار المنطقة بأكملها مرتبط بإنهاء الحرب في قطاع غزة، وأن القضية الفلسطينية باتت عنصرًا أساسيًا في معادلة الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، الأمر الذي يجعل نجاح اتفاق وقف إطلاق النار مصلحة إقليمية ودولية تتجاوز حدود القطاع.

وبينما تراهن الأطراف الفلسطينية والوسطاء على تثبيت الاتفاق والانتقال إلى مرحلة أكثر استقرارًا، تبقى قدرة "إسرائيل" على الالتزام بالتفاهمات العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد مصير المفاوضات، وسط صراع بين متطلبات التهدئة وحسابات السياسة الداخلية الإسرائيلية.