يحتل الإسمنت اليوم مكانة استثنائية في المشهد الاقتصادي بقطاع غزة، لأن توفره يرتبط مباشرة بإعادة تحريك عجلة الإنتاج واستعادة الحد الأدنى من مقومات الحياة.
المسألة تتجاوز حدود البناء إلى تأثيرات واسعة تمس سوق العمل ومستويات الدخل وقدرة الأسر على ترميم مساكنها وتأمين احتياجاتها الأساسية. ومن هذه الزاوية، فإن استمرار غياب الإسمنت يعكس عمق الأزمة الاقتصادية ويؤخر أي فرصة لتعافٍ حقيقي.
وتكشف الوقائع اليومية أن احتياجات السكان تتركز في أعمال ترميم بسيطة، مثل إصلاح جدار متصدع أو إنشاء دورة مياه أو تثبيت أرضية داخل منزل متضرر أو خيمة.
ومع استمرار نقص الإسمنت، اتجهت الأسر إلى استخدام الطين والأخشاب والحجارة القديمة كبدائل فرضتها الضرورة، رغم إدراك الجميع أنها حلول مؤقتة لا توفر السلامة أو الاستقرار وتحتاج إلى صيانة متكررة تستنزف ما تبقى من إمكانات محدودة.
ويمتد أثر غياب الإسمنت إلى عشرات المهن التي تعتمد بصورة مباشرة على قطاع الإنشاءات. فعمال البناء والبلاط والحدادة والنجارة والنقل وتجار مواد البناء فقدوا جانبا كبيرا من أعمالهم، ما أدى إلى تقلص فرص العمل وانخفاض الدخول وتراجع القوة الشرائية.
وتنعكس هذه الحلقة على مختلف الأنشطة التجارية، لأن توقف قطاع واحد يؤدي إلى ركود قطاعات أخرى ترتبط به بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
كما أن اللجوء إلى بدائل البناء المؤقتة يرفع الكلفة الاقتصادية على الأسر، إذ تضطر إلى تكرار أعمال الإصلاح مع كل تلف جديد، في حين يوفر الإسمنت حلولا أكثر استدامة وكفاءة.
لذلك فإن أي حديث عن التعافي الاقتصادي يظل محدود الأثر ما دامت مواد البناء الأساسية غير متاحة، لأن إعادة النشاط الاقتصادي تبدأ بإعادة تشغيل قطاع الإنشاءات وهو القطاع القادر على خلق فرص عمل واسعة وتحريك الأسواق في فترة قصيرة.
وتشير التجارب في مختلف الدول التي شهدت نزاعات أو كوارث إلى أن توفير مواد البناء الأساسية يمثل إحدى أولويات مرحلة التعافي، لما لها من دور في إعادة الحياة الاقتصادية والاجتماعية بالتوازي.
وينطبق ذلك على غزة بصورة أكبر، حيث ترتبط إعادة الإعمار بإحياء عشرات المهن وتحسين مستويات الدخل وتخفيف الاعتماد على المساعدات الإنسانية.
ولذلك يشكل الإسمنت حجر الأساس لأي مسار اقتصادي قابل للاستمرار في غزة. فإدخاله بصورة منتظمة لا يخدم مشاريع الإعمار فقط وإنما يفتح الباب أمام استعادة النشاط الاقتصادي وعودة آلاف العمال إلى وظائفهم وتمكين الأسر من إعادة بناء حياتها تدريجيا.
ومن هنا، فإن توفير الإسمنت يمثل استثمارا في التعافي الاقتصادي بقدر ما يمثل استجابة إنسانية لاحتياجات السكان.
