الجمعة 10 يوليو 2026 الساعة 05:53 م

مقالات وآراء

هل يتفكك الركود التضخمي في غزة؟

حجم الخط

على مدار الأشهر الماضية، جاء الركود التضخمي في قطاع غزة انعكاسا لسياسات اقتصادية فرضت اختلالا متعمدا في آليات السوق. فقد أدت القيود الإسرائيلية على دخول البضائع وتقليص أعداد الشاحنات التجارية وحصر الاستيراد بعدد محدود من التجار إلى جانب ارتفاع تكاليف التنسيقات، إلى تقليص المعروض من السلع ورفع تكلفتها بصورة غير مسبوقة.
وفي المقابل، استنزفت الحرب مدخرات الأسر وتراجعت مصادر الدخل واشتدت أزمة السيولة النقدية لتنهار القدرة الشرائية في الوقت الذي واصلت فيه الأسعار ارتفاعها، وهي المعادلة التي تمثل جوهر الركود التضخمي.
المفارقة أن الأسواق لم تكن تعاني من فائض في الطلب وإنما من غيابه. فقد ارتفعت الأسعار بسبب ندرة السلع وتعطل سلاسل التوريد وليس نتيجة نشاط اقتصادي متزايد لتتحول الأسواق إلى فضاءات تعرض فيها البضائع أمام مستهلكين لا يملكون القدرة على الشراء.
لكن التطورات الأخيرة تشير إلى بداية تحول في المشهد، فزيادة أعداد الشاحنات التجارية وتوسيع قاعدة التجار المسموح لهم بالتوريد أسهما في رفع المعروض من السلع، خصوصا المواد الغذائية والسلع سريعة التلف.
وفي ظل استمرار ضعف السيولة وجد التجار أنفسهم أمام خيار خفض الأسعار لتصريف المخزون وتقليل خسائر التخزين والتلف وهو ما انعكس على أسعار الدواجن المجمدة والفواكه والخضروات والعصائر والمنظفات وعدد من السلع الاستهلاكية الأخرى.
ورغم أن هذه التطورات تمثل مؤشرا على بدء تفكك الركود التضخمي فإنها لا تعني بالضرورة دخول الاقتصاد مرحلة التعافي، فالانخفاض الحالي في الأسعار لا تقوده زيادة القوة الشرائية وإنما ضعف الطلب من جهة وتحسن نسبي في العرض من جهة أخرى.
وهذا يعني أن السوق لا يزال يفتقر إلى أهم عناصر التعافي وهو وجود طلب فعال مدعوم بدخل وسيولة كافيين.
لذلك، فإن مستقبل الأسواق في غزة لن تحدده الأسعار وحدها وإنما قدرة الاقتصاد على استعادة دورته النقدية وانتظام تدفق البضائع وتوسيع المنافسة في الاستيراد، بما يحد من الاحتكار ويعيد التوازن بين العرض والطلب.
فبدون معالجة أزمة السيولة واستقرار حركة التجارة قد يبقى انخفاض الأسعار ظاهرة مؤقتة تعكس ضعف الاستهلاك أكثر مما تعكس تحسنا اقتصاديا حقيقيا. وعندها سيكون تفكك الركود التضخمي ناقصا لأن التعافي يقاس بعودة الإنتاج وتحسن الدخول واستعادة الأسواق لحيويتها الطبيعية.