تعيش دولة الاحتلال الإسرائيلي اليوم واحدة من أخطر مراحلها الوجودية منذ التأسيس، وهي مرحلة لا تنبع خطورتها من التهديدات الخارجية الفائقة فحسب، بل من تركيبة القيادة السياسية التي تدير المشهد العام للكيان المحتل.
في مقال لافت للكاتب والمعلق السياسي الإسرائيلي "أوري مسغاف" في صحيفة "هآرتس" العبرية قبل أيام، وُصفت المرحلة الحالية بأنها "أيام الشفق الأخيرة لحكم بنيامين نتنياهو"، محذراً من أن رئيس الوزراء، الذي بات منتهياً سياسياً وقضائياً وشعبياً، قد يقود "إسرائيل" في رمقه الأخير إلى "المتسادا"؛ وهي الرمزية التاريخية للانتحار الجماعي والمواجهة الأخيرة اليائسة.
ينطلق هذا التحليل من الحالة النفسية والسياسية التي يمر بها نتنياهو عقب الفشل الجيوسياسي المدوّي في مواجهته الأخيرة مع إيران وتداعيات حرب السابع من أكتوبر التي لا تزال فصول فشلها تلاحق "ملك العقد الثامن"، حيث يرى "مسغاف" أن فقدان التوازن بدا واضحاً في نوبات غضب علنية؛ هاجم فيها خصومه في المحكمة، وقيادة الجيش وسلاح الجو، والإعلام الإسرائيلي الذي اتهمه بعدم تقدير إنجازاته.
هذا السلوك يتقاطع سيكولوجياً مع "عقدة الاضطهاد والمؤامرة" التي تصيب القادة المأزومين في أيامهم الأخيرة، حيث يتوهم الزعيم "نتنياهو" أن المحيطين به يتآمرون عليه لإسقاطه، وهو ما يدفعه لتبني سياسات بالغة التطرف والخطورة في محاولة مستميتة لتأجيل حتمية السقوط والحساب.
يرى مراقبون أن الإستراتيجية التي يتبعها "بيبي نتنياهو" للهروب من استحقاقات صناديق الاقتراع والمحاكمة القضائية ترتكز على "إدامة الصراع وتوسيع جبهات النار"، وهو سيناريو أساسي يعتمد عليه لتفادي السقوط، حيث يعمد "نتنياهو" إلى فرض وقائع دموية جديدة على الأرض في جبهات عديدة ومحاور مختلفة:
1. في غزة والضفة الغربية: وذلك من خلال الإمعان في استمرار حرب الإبادة ومحاولة تفجير الأوضاع لجر الضفة الغربية إلى انتفاضة جديدة، وهذا يبدو جلياً من خلال الضغط المتواصل على المواطنين هناك بالتهجير والقتل، وإفلات المستوطنين ليعيثوا في الأرض فساداً، وكلها مسائل لا تكون نتيجتها إلا الانفجار.
2. في لبنان والإقليم: وصورة ذلك واضحة من خلال استمرار التصعيد العسكري، والعودة للتلويح بضرب إيران، والإصرار على عدم مغادرة لبنان، وكلها خطوات تهدف إلى إعادة خلط الأوراق.
إن هذه الخطوات التصعيدية ليست نابعة من رؤية إستراتيجية لأمن الكيان الإسرائيلي، بل هي طوق نجاة شخصي لزعيم مستعد لإحراق المعبد بمن فيه بهدف البقاء على كرسي الحكم.
إذا أردنا إسقاط محاور المقال على واقع "إسرائيل" اليوم، نجد أن تحذيرات "مسغاف" تلتقي مع قراءات إستراتيجية أوسع تؤكد أن "نتنياهو" يسحب "إسرائيل" نحو الهاوية والزوال التدريجي من خلال عدة مؤشرات بنيوية كرّستها أعماله وقراراته التنفيذية من خلال موقعه، وتتمثل في:
أولاً: تدجين المؤسسة الأمنية: فقد قام "نتنياهو" بإفراغ المؤسسة العسكرية والأمنية من الأصوات العقلانية المعارضة، وأحاط نفسه بشخصيات موالية تتبنى توجهاته وطموحاته السياسية (مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش)، وهو ما أفقد الكيان "كوابح الأمان" وجعل القرار الإستراتيجي رهينة لليمين الفاشي التلمودي.
ثانياً: العزلة الدولية والتآكل الاقتصادي: تحت قيادة "نتنياهو"، تحولت "إسرائيل" من "ذخر إستراتيجي" للغرب إلى "عبء أخلاقي وقانوني"، وباتت تواجه عزلة دولية غير مسبوقة وملاحقات في محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، وقد ترافق ذلك مع تآكل اقتصادي حاد، وهجرة عكسية للنخب الفكرية والتقنية (هروب الأدمغة)، وهو ما بات يُفقد الكيان الإسرائيلي مقومات بقائه الطويل.
ثالثاً: الانقسام الداخلي الحاد: إن شروخ المجتمع الإسرائيلي (بين علمانيين ومتدينين، ويمين ويسار) وصلت في عهد "نتنياهو" إلى حافة الحرب الأهلية الصامتة، هذا التمزق المجتمعي غيّب "المشترك الصهيوني"، وجعل الجبهة الداخلية أضعف من أن تتحمل حروب استنزاف طويلة الأمد.
إن الرمزية التي ختم بها كاتب "هآرتس" مقاله، تكمن في المفارقة الصادمة: نتنياهو قد يترك "إسرائيل" حطاماً ورماداً، ليرحل في نهاية المطاف للعيش في رغد بمدينة "ميامي" الأمريكية بجوار ابنه "يائير"، تاركاً خلفه مجتمعاً يواجه مصير "المتسادا".
إن خطوات نتنياهو الحالية، القائمة على التضحية بالمصالح العليا للكيان الإسرائيلي في سبيل ذاته، هي المحرك الأساس لنبوءة "الخراب الثالث"، وإذا استمرت النخب الإسرائيلية في العجز عن لجمه عما يجر به الكيان، فإن التاريخ سيسجل أن "إسرائيل" لم تُهزم بجيوش من الخارج فقط، بل قادها زعيمها المأزوم بيده إلى حتفها المحتوم، والقريب جداً زمنياً.


