الجمعة 19 يونيو 2026 الساعة 09:15 م

مقالات وآراء

من قال كاش بلزمناش؟

حجم الخط

خلال الشهور الأخيرة تصاعدت الدعوات إلى التوسع في استخدام وسائل الدفع الإلكتروني باعتبارها أحد الحلول لمشكلة الكاش، وصل الأمر إلى حد رفع شعارات توحي بأن النقد الورقي أصبح جزءا من الماضي وأن المستقبل للدفع الإلكتروني وحده.
لكن الواقع الاقتصادي الذي نعيشه اليوم يفرض علينا إعادة النظر في هذه الفرضية، ليس رفضا للتكنولوجيا وإنما دفاعا عن التوازن الاقتصادي.
لطالما اعتبرت أن العلاقة بين الكاش والدفع الإلكتروني ليست علاقة تنافس أو إقصاء وإنما علاقة تكامل، فكل وسيلة منهما تؤدي وظيفة اقتصادية مختلفة ووجودهما معا يضمن مرونة أكبر للاقتصاد وقدرة أعلى على التكيف مع الأزمات.
غير أن الخطاب الذي روّج لفكرة الاستغناء عن النقد تجاهل طبيعة الظروف الاستثنائية التي يعيشها المجتمع الغزي وتعامل مع الدفع الإلكتروني وكأنه الحل الوحيد لكل التحديات.
اليوم، وبعد أشهر من تعزيز هذا التوجه نشهد واقعا مختلفا، فالكاش أصبح أقل قبولا في العديد من التعاملات، بينما يواجه الغزيون تحديات متزايدة في الوصول إلى أموالهم عبر النظام المصرفي.
فهناك حسابات متوقفة أو مجمدة وصعوبات في فتح حسابات جديدة وقيود مختلفة تحد من قدرة الأفراد على استخدام مواردهم المالية بحرية.
وفي المقابل، تتكدس كميات من النقد لدى المواطنين خارج الدورة الاقتصادية الفاعلة، الأمر الذي يحرم الأسواق من سيولة هي بأمس الحاجة إليها.
ولذلك، فإن أي أموال لا تدخل في دورة التبادل والاستهلاك والاستثمار تتحول إلى أموال معطلة، وعندما تتعطل السيولة تتراجع القدرة الشرائية وتنخفض حركة الأسواق وتتأثر دخول التجار والعاملين والمنتجين.
لذلك فإن إعادة تنشيط تداول النقد الورقي لا يعتبر مجرد قضية مالية وإنما خطوة يمكن أن تسهم في تخفيف حالة الركود التي يعاني منها الاقتصاد الغزّي.
كما أن الاعتماد المفرط على الدفع الإلكتروني يتجاهل مجموعة من التحديات الواقعية، أبرزها هشاشة البنية التحتية التكنولوجية في ظل الانقطاعات المتكررة للكهرباء والاتصالات وكذلك التفاوت في الثقافة المالية والرقمية بين المواطنين.
ففي الاقتصادات المستقرة قد يكون الانتقال نحو مجتمع أقل اعتمادا على النقد خيارا منطقيا، أما في البيئات الهشة والاستثنائية فإن الحفاظ على تعدد وسائل الدفع يصبح ضرورة اقتصادية وأمنا ماليا للمجتمع.
والأخطر من ذلك أن تقليص دور الكاش في ظل القيود القائمة على الحركة المصرفية قد يؤدي عمليا إلى تقليص قدرة المواطنين على الوصول إلى أموالهم واستخدامها، وهو ما ينعكس مباشرة على مستويات الاستهلاك والطلب المحلي، وعندما يتراجع الطلب تتراجع معه حركة النشاط الاقتصادي بأكملها.
لهذا فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يكون بين مؤيدي الكاش ومؤيدي الدفع الإلكتروني وإنما حول كيفية بناء منظومة مالية متوازنة تضمن حرية الوصول إلى الأموال وتداولها بأكثر من وسيلة.
ولذلك إن عودة الكاش إلى موقعه الطبيعي في السوق ليست تراجعا عن التطور وإنما تصحيحا لمسار اقتصادي يحتاج إلى الواقعية أكثر من الشعارات.