تمر أسواق قطاع غزة بتحول اقتصادي استثنائي لم يكن متوقعا قبل أشهر قليلة، فالنقود الورقية التي كانت تمثل الهدف الأول للمواطنين والتجار على حد سواء وتحظى بقيمة إضافية في السوق بسبب شح السيولة، بدأت تفقد مكانتها تدريجيا لصالح وسائل الدفع الإلكتروني التي أصبحت أكثر قبولا وانتشارا في المعاملات اليومية.
هذا التحول لا يعكس تطورا طبيعيا في النظام المالي بقدر ما يعبر عن استجابة اضطرارية لظروف اقتصادية ونقدية معقدة فرضتها الحرب وتداعياتها.
ففي مرحلة سابقة، كان الحصول على الأموال النقدية يتطلب دفع عمولات مرتفعة عبر عمليات "التكييش" نتيجة نقص السيولة وارتفاع الطلب عليها. أما اليوم فقد انقلب المشهد بصورة لافتة إذ بات العديد من التجار يفضلون استقبال المدفوعات إلكترونيا ويتجنبون التعامل بالأوراق النقدية إلا بشروط محددة.
وتكمن المشكلة الأساسية في أن النقد الورقي فقد جزءا من وظيفته كوسيلة سهلة للتبادل، فانتشار الأوراق التالفة وأزمة الفكة ورفض بعض الفئات النقدية، كلها عوامل رفعت تكلفة استخدام الكاش وأضعفت الثقة به داخل الأسواق.
وأصبح المستهلك في كثير من الأحيان مضطرا إلى تعديل سلوكه الشرائي أو شراء سلع إضافية فقط بسبب صعوبة الحصول على المبلغ المتبقي من عملية الشراء.
في المقابل، يوفر الدفع الإلكتروني مزايا مهمة للتجار أبرزها سهولة إجراء المعاملات وتجنب المخاطر المرتبطة بتخزين النقد أو تصريفه. كما أنه يمنح مرونة أكبر في إدارة النشاط التجاري خصوصا في ظل استمرار أزمة السيولة وتراجع قدرة الأسواق على استيعاب كميات كبيرة من الأوراق النقدية.
لكن رغم ذلك، فإن التوسع في الاقتصاد الإلكتروني لا يعني انتهاء المشكلات، فما زالت هناك شرائح واسعة تعتمد على الرواتب النقدية أو تواجه صعوبات في الوصول إلى الخدمات المالية الرقمية فضلا عن استمرار المخاوف المرتبطة بتجميد الحسابات أو الأعطال التقنية.
وذلك، لا تشهد غزة مجرد تغير في أدوات الدفع بل إعادة رسم لخريطة العلاقات المالية داخل السوق، فالأزمة لم تعد أزمة سيولة فقط وإنما أزمة ثقة بالنقد نفسه، وهي ظاهرة قد تترك آثارا عميقة على شكل الاقتصاد المحلي وسلوك المتعاملين لسنوات قادمة.


