منذ بزوغ شمس رسالة الإسلام، ظهرت رسالته العالمية التي لا تحصر المنهج في جنس أو قومية أو أرض أو لغة، وإنما كان مفهوم "الجسد الواحد" الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم هو الصورة المعبرة عن ذلك المنهج ووحدة وتكامل أتباعه.
بيد أن هذا المفهوم خضع لاختبارات صعبة على مر التاريخ، بسبب الصراعات السياسية والعرقية والطائفية والتباين الثقافي، ما جعل مفهوم أمة الجسد الواحد بالنسبة لقطاعات واسعة من المسلمين مفهومًا نظريًا يصعب تجسيده على أرض الواقع.
وعلى الرغم من هذه التحديات، صمدت الفكرة بسبب مضمون المنهج الذي حمل محطات زمانية ومكانية استثنائية تعيد تجديد مفهوم الجسد الواحد لمواجهة هذا التشظي، ومن أبرزها موسم الحج، وعلى وجه الخصوص يوم عرفة، بوصفه أحد أكثر أيام العام قدرة على صناعة الشعور الجمعي الذي يعبر الحدود واللغات والانتماءات الجزئية الضيقة.
أركان الحج من الإحرام وطواف الإفاضة والسعي بين الصفا والمروة، يتسع وقتها بحيث لا يقوم بها الحجاج جميعًا في ساعة واحدة أو في يوم واحد، إلا الركن الأعظم وهو الوقوف بعرفة، والذي ينفرد بكونه يجمع الحجيج جميعًا في وقت واحد، على الأقل في جزء من نهاره حتى غروب الشمس، يستحيل أن يتخلف أحد منهم.
هنا يبرز يوم عرفة ليحول فكرة الوحدة وأمة الجسد الواحد إلى تجربة حية ملموسة، ويشعر الحاج أنه جزء من حدث عالمي دوري. في صعيد عرفة تتلاشى الفوارق الطبقية واختلاف اللون والعرق واللغة، ليجتمع الناس من شتى الأقطار على هيئة واحدة، تسقط كل النعوت والألقاب والمناصب، حيث يطويها الوصف الجامع لهذه الجموع، وهو انتماؤهم لهذه الأمة.
هذا التجرد من الفوارق يمنح يوم عرفة قدرة خاصة على تعزيز الهوية الجامعة، إذ أن الهويات الفرعية - التي منها ما هو محمود وما هو مذموم- يحتاج أصحابها إلى لحظات تذكرهم بحقيقة الانتماء الأكبر الذي يوحدهم ولا يفرقهم.
يتجاوز الشعور بالوحدة في يوم عرفة تلك الأسراب البيضاء المباركة التي تقف في صعيده، ليكتنف قلوب المسلمين في كل مكان على وجه الأرض، فالمشهد لا يقتصر على شعيرة دينية مرتبطة بالحج، وإنما يتحول إلى تجربة وجدانية عالمية يتشارك فيها الملايين، فالمسلمون ينتظرون هذه النفحة الربانية كل عام، للتعرض لها والفوز برحمة الله ومغفرته في يوم الرجاء، فيصومون هذا اليوم، وتلهج ألسنتهم بالذكر والدعاء، ليدخلوا بهذه الحالة الوجدانية في الاقتران بالواقفين على صعيد عرفة، فيحدث هذا التلاحم الشعوري في كل أقطار الأرض في وقت واحد.
هذه المشاركة الوجدانية تصنع ما يشبه الذاكرة الروحية المشتركة، حيث تتكرر التجربة كل عام، فيترسخ أثرها في الوعي الجمعي للمسلمين، فيتحول اليوم إلى مناسبة يعيد الفرد فيها تعريف نفسه وتجدد شعوره بأنه جزء من جماعة عالمية تتشارك ذات الشعور والطقوس.
وإذا كانت وسائل التواصل الاجتماعي قد أصبحت الفضاء المعبر عن اتجاهات الناس، فإنها تعكس في ذلك اليوم مفهوم هذا التلاحم العابر للحدود والانتماءات، فتتحول يوم عرفة إلى ساحة جامعة للملايين يتشاركون نقل الصورة المهيبة والأدعية والتذكير بالرحمة والمغفرة، وتتصدر الوسوم المتعلقة بيوم عرفة المنصات الرقمية، وتخفت نبرة الانقسامات والاستقطابات والمنازعات في ذلك اليوم بشكل لافت.
يمتد تأثير هذا اليوم بما يحمله من وحدة الشعور، إلى الثقافة الشعبية للمجتمعات، إذ يرتبط ذلك اليوم بعادات اجتماعية خاصة، كالتجمعات العائلية، وموائد الإفطار، والبرامج والأنشطة الروحانية، حتى تجد لذلك اليوم حضورًا في نطاق الشعر والأدب والخطاب الثقافي بوصفه رمزًا للنقاء والتوبة والوحدة، ما يجعله في الذاكرة الجمعية جزءًا من الهوية الحضارية لا مجرد شعيرة دينية موسمية.
وعلى الرغم من أن يوم عرفة مناسبة إسلامية خالصة، فإن رسالته تحمل أبعادًا إنسانية عامة، فهو يوم يقوم على قيم التواضع، والمساواة، والتسامح، والرحمة، والدعاء من أجل السلام والخير، ما يجعل هذا اليوم منصة رسائل للعالم الذي يعج بالانقسامات والصراعات، أن البشر ما زالوا قادرين على الاجتماع على معانٍ أخلاقية وقيمية سامية تنقذ الإنسان الذي كرمه الله من ويلات الدمار.


