الإثنين 25 مايو 2026 الساعة 10:20 م

مقالات وآراء

ليس بقوتك.. وإنما بلطف الله !

حجم الخط

روى الخطيبُ في تاريخ بغداد:

إنَّ عُبيد الله بن الحسن قاضي البصرة قال: كانتْ لي جارية أعجميَّة من أجمل ما تكون النساء، وكنتُ بها معجباً، وكانتْ ذات ليلةٍ نائمةً جنبي، فانتبهتُ فلم أجدها!

فقلتُ: شراً! فلما وجدتها، رأيتها ساجدة، وهي تقول: بحبكَ لي اغفِرْ لي يا الله!

فقلتُ لها: لا تقولي هكذا! قولي: بحبي لكَ اغفِرْ لي!

فقالتْ: يا فقيه البصرة وقاضيها، حبُّه لي أخرجني من الشرك إلى الإسلام، وبحبه لي أيقظ عيني لأقوم له، وأنامَ عينيكَ!

فقلتُ لها: اذهبي، فأنتِ حُرَّة لوجه الله!

كلما أدّيتَ طاعةً تذكّر أنكَ ما أدّيتها بقوَّتك ولا إصراركَ، وإنما هو كرمُ الله عليكَ أن أَذِنَ لكَ أن تعبده، حبُّه لكَ، تخيَّل روعة الكلمة، وسحرها، أنتَ الذي تكاد تكون مجهولاً لدى العالمين، فلا يعرفكَ إلا أهل بيتك وحارتك، يعرفكَ جبَّارُ السماوات والأرض، باسمك ورسمك، ينظرُ إلى قلبكَ فيجدُ فيه خيراً، ويطّلعُ على خفايا صدرك فيجدُ لذاته العليّة فيه موضعاً، فيحبُّك، ومتى ما دخل العبدُ دائرة حُبِّ اللهِ تعالى له فقد أَمِنَ، ونجا!

إذا ما سمعتَ أذان الفجر يُرفع، وقد سَهُلَ عليكَ أن ترفع عنكَ لحافكَ وتقوم إلى الصلاة، فاعلمْ أنه حُبُّ الله لكَ، واصطفاؤه إياك، مليارات البشر غارقون في نومهم، وأنتَ من بين ثلّة قليلة، ارتضى الله سبحانه أن تضع جبهتكَ على الأرض له سجوداً، وتردد بقلبك ولسانك: سبحان ربيَ الأعلى!

إذا ما جاء رمضان، وعزمتَ على الصيام، وقد رأيتَ أن كل شيءٍ لله تركه لذيذ، فخويتِ الأمعاءُ ابتغاءَ رضوانه، وظمئتِ الحناجرُ طلباً لرضاه، فاعلم أنه حُبُّ اللهِ لكَ، مليارات الناس لا يعرفون ما رمضان، ولا ما الصيام، كلهم عما قريب على سفرٍ إلى الله، وهم بلا زاد، أما أنتَ فمصطفىً من كثرة، ومختارٌ من جماعة، لتكون عبده الذي يُحب!

وإذا ما شرحَ اللهُ تعالى صدركِ للحجاب، وعلمتِ أنه أمرُ الله لكِ، وأنَّ الأمة لا تكون إلا في أمر سيدها، فاعلمي أنَّ الله يُحبُّكِ وقد هداكِ إلى ما يُحبه، انظري إلى السفور في هذا العالم، انظري كيف صارت النساء سلعاً يظهرنَ حتى في إعلان زيوت السيارات! انظري كيف صارت الكثيرات منهن مشاعاً للرائح والغادي، يمشين في الطرقات وما ظهرَ منهن أكثر مما أُخفي! أما أنتِ فدُرَّةٌ مُصانة، وجمالٌ مخبوء لمن له الحقُّ فيه، تمشين كالملكة بين الناس، لا يقربها أحد إلا ضمن «بروتوكولات» خاصة، فاعلمي أنكِ مميزة بحب الله لكِ، وأنكِ تنعمين باصطفائه!

إذا ما جاء يومُ عرفة، ووجدتَ قلبكَ يسبقُك إلى الدعاءِ، ولسانكَ يلهجُ بالاستغفار، وعينكَ تدمعُ شوقاً ورحمةً وخوفاً، فاعلمْ أنَّها نفحةُ حُبٍّ من الله لكَ، فكم من الناسِ مرَّ عليهم يومُ عرفة كأيِّ يوم، لا حرَّكَ فيهم توبةً، ولا أيقظَ فيهم شوقاً، أمّا أنتَ فقد دعاكَ اللهُ إلى بابه، وأجلسكَ في مقامِ السائلين، وأذنَ لقلبكَ أن يطرقَ بابَ رحمته، ومن أكرمهُ اللهُ بالوقوفِ على بابِه، فما خابَ ولا خسر!