في يوم واحد، كتبت نيويورك تايمز ورويترز وفيغارو وفوكس نيوز عن الانتخابات ذاتها — لكنها لم تكتب عن الحدث ذاته. �كلٌّ منها رأت ما أرادت أن ترى. فما الذي رأته حقاً؟
**الإجماع الذي لا يُقال صراحةً**
بين كل هذه المنابر المتباينة، ثمة قاسم مشترك: هذه الانتخابات ليست انتخابات بالمعنى الكامل للكلمة.
أُجري التصويت في مدينة واحدة فقط بغزة — دير البلح — وهو ما وصفه المسؤولون أنفسهم بأنه "مشروع تجريبي". وفي كثير من بلديات الضفة الغربية، لم يكن أمام الناخبين سوى قائمة واحدة للاختيار.� وبلغت نسبة المشاركة 24.53% عند الساعة الأولى بعد الظهر فقط، فيما وصف المراقبون الإقبال بأنه ضعيف.
ومع ذلك، تباينت المنابر تبايناً حاداً في كيفية تأطير هذا الواقع.
**خريطة التأطيرات الإعلامية**
🔵 التأطير الإنساني — رويترز، فرانس برس، دويتشه فيله
ركّزت هذه الوكالات على الصوت الفلسطيني الفردي، واستحضرت لحظة الأمل وسط الدمار.
قال ناخب في دير البلح: "بالنسبة للانتخابات شعور أول مرة في حياتي بجربه من 20 سنة. المرة هذه احنا حابين نشارك عشان نغير في الواقع المفروض علينا."
وقال طبيب يبلغ من العمر 27 عاماً لم يسبق له التصويت: "جيلنا بأكمله ينتظر هذه الفرصة."
هذا التأطير يُضفي على الحدث شرعيةً عاطفية، ويُقدّم التصويت فعلاً مقاوِماً بذاته.
🔴 التأطير الأمني — فوكس نيوز
جاءت فوكس نيوز بخط تحريري مختلف جذرياً، إذ قدّمت الانتخابات تهديداً محتملاً لا حدثاً ديمقراطياً.
صرّح المدير التنفيذي لمؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات لفوكس نيوز: "عندما تُجرى انتخابات في السلطة الفلسطينية في توقيت غير مناسب، وفي ظل ظروف لا تزال غير مستقرة، فإن النتيجة ستكون فوز حماس."
وأشار التقرير إلى أن حماس عزّزت سيطرتها على غزة منذ مارس، حيث تواصل فرض الضرائب على السكان، وتطوير النظام التعليمي، ونشر قوات الشرطة في جميع أنحاء الأراضي التي تسيطر عليها.
هذا التأطير يُحوّل الانتخابات من حق ديمقراطي إلى رهان أمني، وهو خطاب موجَّه بوضوح للرأي العام الأمريكي والإدارة الأمريكية.
🟡 التأطير السياسي — لوموند، لوفيغارو، واشنطن بوست
نظرت هذه المنابر إلى الانتخابات كمحطة في صراع الشرعية والنفوذ.
كتبت واشنطن بوست أن هذه المرة الأولى منذ ست انتخابات محلية التي لم يُقدّم فيها أي فصيل آخر قائمته رسمياً، وهو غياب يرى المحللون أنه يعكس خيبة أمل سياسية في ظل حكم عباس وقيادة السلطة المتقدمة في السن.
ورصدت لوموند كيف أن رجل أعمال في الخليل اضطر لتشكيل ثلاث قوائم متتالية بعد تعرّض أعضائها لضغوط أجبرتهم على الانسحاب، مؤكداً أن السلطة الفلسطينية هي من فعلت ذلك.
🟠 التأطير الرمزي — نيويورك تايمز، RFI، مونت كارلو
قال كاتب عمود فلسطيني من غزة يقيم في لندن: "بالنسبة للفلسطينيين، تُعدّ هذه الانتخابات تأكيداً على الحياة رغم كل الموت الذي شهدوه خلال الحرب. لكن المجلس البلدي القادم لن يتمكن من تحقيق نتائج ملموسة ما لم تتوفر له الموارد اللازمة."
جملة تختصر الجدل كله: رمز نعم، تغيير؟ سؤال مفتوح.
**ما غاب عن التغطيات العالمية**
لافت أن أغلب التغطيات تجاهلت أو هامشت ثلاثة عناصر جوهرية:
١. الدور الإسرائيلي في تقييد العملية: حتى مساء الخميس، كانت السلطة الفلسطينية لا تزال تنتظر إذناً من الاحتلال لإرسال صناديق الاقتراع إلى غزة، فيما امتنعت وحدة تنسيق أعمال الحكومة (COGAT) عن التعليق على أسئلة المواد الانتخابية.
٢. حجم الأزمة البنيوية: أُقيمت تسعة من أصل اثني عشر مركز اقتراع في خيام، وجرى التصويت في غياب كهرباء، بينما يعاني السكان نقصاً حاداً في المياه والغذاء والدواء.
٣. المفارقة الأمنية: أصرّت شرطة حماس على تولّي تأمين العملية الانتخابية في دير البلح من خلال نشر عناصر أمن غير مسلحين يرتدون ملابس مدنية حول مراكز الاقتراع.
**والنتيجة**..
الصحافة العالمية لم تغطِّ انتخابات فلسطينية — بل غطّت رواياتها هي عن الفلسطينيين.
فوكس نيوز رأت حماس. واشنطن بوست رأت السلطة الفلسطينية وشيخوختها. لوموند رأت الاحتلال. ونيويورك تايمز رأت شعباً يبحث عن معنى.
أما الفلسطيني الذي صوّت في خيمة بلا كهرباء على ورقة اقتراع بديلة لأن إسرائيل لم تسمح بدخول الأصلية — فقد رآه الجميع، لكن قرأه كلٌّ من زاوية مصالحه وجمهوره.
وهذه وحدها تستحق تغطية مستقلة.


