في مشهد اختلطت فيه الدموع بالضحكات، واستعادت فيه الأمهات جزءًا من أرواحهن التي انتُزعت قسرًا في لحظات الحرب الأولى، عاد عدد من الأطفال الخدّج إلى أحضان عائلاتهم في غزة، بعد عامين ثقيلين من الغياب.
هؤلاء الأطفال، الذين وُلدوا في ظروف صحية حرجة داخل مستشفى الشفاء في مدينة غزة خلال حصار الاحتلال الإسرائيلي للمجمع في تشرين الثاني/نوفمبر 2023، كانوا قد أُبعدوا عن ذويهم قسرًا لتلقي العلاج خارج القطاع، في رحلة غامضة لم تكن العائلات تعرف إن كانت ستنتهي بلقاءٍ جديد أم بفقدٍ دائم.
33 طفلًا كانوا داخل قسم الحضانة في المستشفى، قُطع عنهم الماء والكهرباء والأكسجين، ما اضطر الأطباء تحت القصف لنقلهم إلى مكان أكثر أمنًا، في غاية في الخطورة.
وبعد 10 أيام من الحصار والقصف الإسرائيلي، جرى إجلاء هؤلاء الأطفال إلى جمهورية مصر العربية تحت إشراف مدير المجمع الطبيب محمد أبو سلمية، وفي ظل ظروف صعبة ومعقدة.
في تلك الأيام، لم تُتح للأمهات فرصة الوداع أو حتى الاحتضان الأخير، خرج الخدّج من الحاضنات إلى المجهول، وسط انقطاع الاتصال وغياب المعلومات، لتبقى العائلات معلّقة بين الأمل والخوف، تترقب أي خبرٍ يطمئنها بأن أطفالها ما زالوا على قيد الحياة.
أمل باللقاء
فاطمة دكة والدة الطفل جود تقول: "في شهر نوفمبر مع بداية الحرب كنت أمكث في مستشفى الشفاء بعد ولادة ابني جود قبل موعد ميلاده، وصار حصار للمستشفى، وظل جود هناك وما قدرت أوصل له نهائي، حتى وصلت أخبار أن الاحتلال قتل كل الأطفال الخدج وفقّدت الأمل أن يكون عايش".
وتضيف "بعد انتهاء حصار مستشفى الشفاء أخذت أبحث عن بصيص أمل في الوصول إلى طرف معلومة يُفيد بأن جود على قيد الحياة".
و"بعد مرور الأيام شاء القدر أن تغادر سُلفتي القطاع في رحلة علاج مع طفلها، وهناك تعرّفت على جود بواسطة أسواره الاسم على معصم يده، وأخبرتنا بأنه ما يزال على قيد الحياة، وأخذت ترسل لنا بعض الصور الخاصة به وتتابعه في حياته".
وتشير دكة إلى أنها بعد أن فقدت الأمل برؤيته مجددًا عادت إليها روحها وأخذت تخطط للقائه كيفما كان، حتى تخطط للسفر للقائه أيضًا.
وتتابع "قبل لقاء جود بيومين أخبرتني سُلفتي بأمر عودة الأطفال الخدج لقطاع غزة حتى جاءني اتصال من منظمة اليونيسف تِخبرني بتاريخ وساعة وصولهم إلى القطاع".
ولم تتمكن دكة من وصف لحظة احتضان ابنها، بعد فقدان الأمل بلقائه، قائلة: "شعرتُ وقتها بأن روحي عادت إليّ، وجزء من روحي كنت فقدته عاد بعد طول غياب".
غياب قسري
عامان مرا كأنهما عمرٌ كامل، كبر الأطفال بعيدًا عن أصوات أمهاتهم، وتعلموا الحياة الأولى دون دفء العائلة.
في المقابل، كانت الأمهات يُلاحقن الأخبار، ويطرقن أبواب المؤسسات، ويحتفظن بملابس صغيرة لم تُستخدم، على أمل عودة طال انتظارها.
وعندما جاءت لحظة العودة، لم تكن مجرد إجراء إداري، بل مشهدًا إنسانيًا بالغ التأثير.. أمهات يحتضنّ أطفالهن للمرة الأولى منذ ولادتهم، وآباء يحاولون التعرف على ملامح غابت طويلًا.
بعض الأطفال لم يتعرفوا على ذويهم فورًا، فيما انهارت أمهات بالبكاء، وكأنهن يعوضن عامين من الغياب في لحظة واحدة، وآخرون لم تتيح لهم فرصة احتضان أمهاتهم كالطفل إبراهيم بدر، والذي استشهدت والدته بعد مغادرته القطاع بشهر واحد فقط.
يقول والده جبري بدر: "ولد إبراهيم قبل موعد ميلاده بشهر واحتاج لدخول الحضانة والمبيت هناك برفقة والدته، حتى جاء اقتحام مستشفى الشفاء ورحّل كل من كان هناك إلى جنوبي القطاع ليرحل هو ووالدته".
ويضيف "بعد وصول زوجتي لجنوبي القطاع تواصلت معها لمعرفة أين أصبحت بلادها فأخبرتني بأنها في مكان ولا تدري مكان إبراهيم وأخذت تبحث عنه في مشافي القطاع دون جدوى".
شعور لا يوصف
ويتابع بدر "بعد شهر من انقطاع الأمل بلقاء إبراهيم مجددًا جاءني خبر استشهاد زوجتي بقصف مجاور لمكان سكنها، وفقدت أنا أملي برؤية طفلي مرة أخرى، حتى قررت الاستفسار عن طريق مستشفى الشفاء حول مصير الأطفال الخدج هناك".
"انقطع أي أمل أو اتصال بلقائي طفلي حتى أخبرني بعض الأصدقاء بترحيل عدد من الأطفال الخدّج إلى مصر ليصلني خبر عبر أحدهم بوجود طفلي هناك".
ويشير إلى أنه أجرى عدد من الاتصالات مع الفلسطينيين هناك واستطاعوا الوصول إليه وإرسال بعض الصور الخاصة بإبراهيم له.
ويؤكد أنه تلقى الاثنين الماضي، اتصال هاتفي من منظمة اليونيسف تخبره بوصول إبراهيم إلى قطاع غزة، مع دفعة من الأطفال الخدّج.
غزة.. اقتصاد خارج الحياة
01 ابريل 2026


