بين خيامٍ يثقلها الشتاء في غزّة، وأروقةٍ باردة في واشنطن، يتحرّك المسار السياسي ببطءٍ محسوب. الثلاثاء المقبل، تصل الفصائل الفلسطينية إلى القاهرة لمناقشة تشكيل وإعلان هيئة التكنوقراط المقترحة من الوسيط المصري، كخطوة يُراد لها أن تشكّل محفّزًا لانطلاق المرحلة الثانية. غير أنّ المشهد لا يكتمل هنا؛ ففي الخلفية، ثمة ملفّ آخر يُعاد ترتيبه بصمت: إعلان “مجلس السلام في غزة” الذي كان من المنتظر أن يقدّمه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بات مؤجّلًا — لا بسبب غزّة، بل تحت وطأة الأزمة المتفجّرة في فنزويلا وخطف الرئيس نيكولاس مادورو، وفق ما نقلته معاريف عن مصادر سياسية رفيعة. التأجيل، تقول المصادر، شكليّ؛ فالقرار متّخذ، والإعلان مسألة توقيت لا أكثر، مع منتصف يناير كحدّ أقصى.
لكن ما يجري خلف الستار يكشف تعقيدًا أعمق. فـ“مجلس السلام” ليس سوى الواجهة السياسية للمرحلة الثانية من الخطة الأمريكية، بينما تكمن العقدة الحقيقية في البعد الأمني، وتحديدًا في قوة الاستقرار متعددة الجنسيات. التقدير الأمريكي بات أكثر صراحة: حماس لن تلقي سلاحها طوعًا، والبنية التحتية تحت الأرض ما تزال قائمة، ما يدفع دولًا عديدة إلى التردّد في إرسال جنود إلى ساحة مفتوحة الاحتمالات. عند هذه النقطة، تتقاطع الحسابات الأمريكية مع الاشتراطات الإسرائيلية؛ إذ وجّه بنيامين نتنياهو رسالة واضحة خلال لقائه ترامب في مارالاغو: رفضٌ قاطع لأي وجود تركي في غزة، وتمسّك بحقّ الفيتو في تحديد الدول المشاركة في القوة.
في هذا الفراغ، بين إعلانٍ مؤجّل وخطةٍ غير مكتملة، تتحرّك القاهرة لتثبيت مسار فلسطيني–فلسطيني عبر هيئة تكنوقراط، بينما تواصل واشنطن اختبار البدائل الإقليمية والدولية لتقديم “رؤية” لا تزال تتعثّر عند أول سؤال أمني. وهكذا، تتقدّم الاجتماعات خطوة، ويتأخّر الإعلان خطوة، وتبقى غزّة عالقة بين إدارةٍ جديدة على الورق، وقوة استقرار لم تجد بعد من يغامر بالهبوط على أرضها.


