فِي بَيْتِي قِطٌّ سَمِين
تَحسَّنَ القِطُّ (سِمْسِم) واستردَّ عافيته بعد مغادرة شبحِ المجاعةِ نسبيًّا قطاعَ غزّة قبل أسابيع. لا يمكن القول بأن أزمةَ التجويع انتهت بالمطلق، لكنَّ معظمَ الناس في غزّة يجدون الخبزَ وأصنافًا عديدةً من الطعام. نسيتُ أن أقول لكم إن هناك فئةً تحت خطِّ الفقر بالكامل، ولا تستطيع شراءَ الخبز (٢٠ قطعة بدولارٍ أمريكيٍّ واحد).
في مايو عام ٢٠٢٤م وجدتُ قطًّا صغيرًا هائمًا على وجهه في الحي، فاستدرجتُ ذلك القطَّ من أمام بيتي، وعلمتُ لاحقًا أنه هرب خلال الحرب نازحًا من جنوب غزّة؛ حاولتُ إغراءه ببعض الطعام فأطاعني، ومن يومها يلازم البيت، يأكل مما نأكل، ونُكرمه بمعلبات سمك التونة وبعض الحليب المُجفف المُذاب في الماء.
عاش القطُّ معنا كلَّ أشكال المعاناة في الحرب؛ مرضَ وجاع، وأُصيب بشظايا صاروخٍ إسرائيلي، وخاف، وتدهورت صحته وحالته النفسية. صحيحٌ أنه لا يتكلم، لكن تصرّفاته كحيوانٍ أليف، والأعراضَ الظاهرةَ على جسده وسلوكه، كانت تؤكد ذلك.
لستُ أنسى يوم قصفت طائرةٌ بدون طيار صاروخًا أمام منزلي؛ فبعد ساعةٍ من هول الصدمة التي أدّت لإصابة عددٍ من أفراد البيت والجيران بجراحٍ بين متوسطةٍ وخفيفة، تنبّهتُ لاختفاء القط. وحين بحثتُ عنه وجدته ينزف في شرفة البيت، ويتلوّى من الألم بعد إصابته بشظايا في ظهره وقدمه، نزفَ منها دماءٌ غزيرة؛ عالجتُ جروحه باجتهادٍ شخصي، ووضعتُ له الطعام قرب مكان نومه، وحين تمكّن من العودة للمشي بحرية بعد خمسة أيام، كنتُ سعيدًا بنجاته من الموت.
في حين كان القطُّ يكافح للصمود في معاناة الحرب، كانت قططٌ سِمان تزداد عددًا وأموالًا؛ لا تُصدر تلك القطط أصواتَ مواء، لكنها متوحشةٌ لا ترحم إن باعت شيئًا أو اشترت أشياء، ولا تغفر لأحد… عيونها على المال، وتعزف على وتر الشقاء، وكم للحرب من آلام.
ومن ذات الكوكب أولئك الذين عملوا صيّادين للفرص، فسخّروا وسائلَ التواصل الاجتماعي لنقل نصفِ حقائق، وأحيانًا صنعوا محتوى كاذبًا جلب تعاطفَ وتضامنَ الملايين من خارج قطاع غزّة؛ آلاتُ الكذب تلك لا تنفي وجودَ معاناة، لكنها تقتات على دماء المساكين.
وظهرت منذ اندلاع الحرب في غزّة طبقةٌ ثرية من التجّار والمؤثرين وأصحاب مشاريع استثمارية وخيرية، كسبت ملايين الدولارات من احتكار واستغلال كثيرٍ من السلع والبضائع. وآخرون جلبوا دعمًا إنسانيًّا وخيريًّا بأموالٍ طائلة، لكنهم سرقوا الكثيرَ منه؛ تلك قصصٌ حقيقية وواقعية، انكشف فيها زيفُ أصحابها من خلال عمليات سرقةٍ لمساعدات نقديةٍ وعينية.
نحن كسكان قطاع غزّة لا نملك تفاصيلَ كاملة عن فساد القطط السمان، لكن رائحتهم فاحت، ونمطَ حياتهم الاقتصادي والاجتماعي وطريقةَ تعاملهم مع الناس كشفت عن أموالٍ طائلة، بينما معظمهم لم يكن يجد ما يسدّ به حاجاته الشهرية، وربما اليومية، قبل الحرب.
هل تعلم القططُ السمان أن غزّة وأهلها مصابون بالفقر الشامل؟ حيث أكّد البنك الدولي وتقاريرُ أممية أن نسبة الفقر في قطاع غزّة وصلت إلى 100% تقريبًا مع حلول عام 2025، وتعجز جميعُ العائلات تقريبًا عن تلبية احتياجاتها الأساسية.
كما يواجه نحو 96% من سكان القطاع (حوالي 2.1 مليون شخص) مستوياتٍ حادّة من انعدام الأمن الغذائي.
وتشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) إلى أن معدل الفقر في عموم الأراضي الفلسطينية سيظل مرتفعًا عند 74.3% خلال عام 2025.
وخرج كثيرٌ من الفقراء والمساكين عن صمتهم بعد أن امتصّت القططُ السمان دماءهم، فاستخدموا رسائلَ مسجّلة من وسائل التواصل الاجتماعي نفسها، كشفوا فيها أن كثيرًا من القطط السمان التقطت لهم صورًا وهم يتلقّون مساعداتٍ عينيةً ونقدية، ثم استعادوها منهم أو منحتهم جزءًا يسيرًا منها. وآخرون ألجمتهم المعاناة عن كشف المستور، فاكتفوا بالصمت والدموع.
غيابُ الرقابة والمحاسبة والقانون، بشكلٍ عام، زاد من عدد القطط السمان في غزّة، والتي بدأ بعضها يهاجر من غزّة منذ شهور بعد أن جمع أموالًا طائلة، ولا يزال آخرون يجنون المزيد من المال دون توقف.
معاناتُنا منذ بدأت الحرب وحتى الآن مع القطط السمان لا تُكتشف على عجل، ولا يمكن اختصارها في مشهدٍ واحد؛ منهم التاجر، وصاحب جمعيةٍ خيرية، أو مندوب مؤسسةٍ إنسانية، أو صاحب مطبخٍ يموله متضامنون ويسرق هو كثيرًا من طعامه… وهكذا، أولئك اللصوص لا يعجزون.
وبالعودة إلى قصة القط الصغير الذي لا يدرك ما فعلته بنا القطط السمان، فهو لا يشترك معهم سوى في جزءٍ من الكلمة فقط. والحقيقة أننا معه وقعنا ضحيةَ القطط السمان، وما أكثرهم هذه الأيام.
في بداية رحلة القط داخل البيت كان يكتشف كلَّ الأشياء من حوله، مثلنا كنا نحاول التكيف مع واقعنا في الحرب؛ فلا طقوس اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية أو أمنية معتادة، حيث أصبح كل شيء استثنائيًّا وخطيرًا. وبعد أن فهم القط طقوس النهار والليلة، أصبح يقترب من وجبات الطعام فيحصل على ما يريد. وحين بدأت المجاعة في أبريل الماضي، وصل به الحال ليأكل كسراتِ خبزٍ جافة؛ كنا نحن وهو في مصيرٍ واحد، لكننا ندري أن القطط السمان في الخارج كانت تحصل على كل شيء من دمائنا.
تعرّض القط معنا لظروفٍ قاسية من التجويع والخطر، وفقد شعره الكثيف عن رقبته وذيله بعد إصابته بمرضٍ جلدي نال من صحته، فكان يطلق صوتَ أنينٍ حزين معبّرًا عن معاناته وهو يتلوّى من الألم. عالجه الطبيب البيطري وحقنه بمصلٍ مرتين خلال أسبوعين. والحقيقة أن الأمراض الجلدية شكّلت معاناةً هائلة لعشرات آلاف المصابين في صيف ٢٠٢٤م، خاصةً في ظل نقص المناعة وسوء التغذية وغياب الصابون والمنظفات بشكلٍ عام.
لستُ أنسى كيف تسللت الجروحُ الدامية لجسد القط النحيل، فامتنع عن التجوال في البيت، وكان كل ما يفعله هو شرب الحليب إن توفّر، ثم العودة ليدخل في نوبة نومٍ عميق تستمر معظم ساعات النهار.
تحوّل من قطٍّ سمين إلى قطٍّ مريض، شاحب، عاري الجسد من الشعر.
استغرق الأمر ستة أسابيع حتى نما الشعر بكثافةٍ من جديد حول جروح ظهره ورقبته وذيله.
نحن في غزّة علّقنا كل أسباب معاناتنا على مشجب الحرب والاحتلال، وحين بدأ وقفُ إطلاق النار وجدنا أن حالنا لم يتغيّر كثيرًا؛ وحدها القطط السمان زادت ثراءً، وبإمكانها في هذا الشتاء أن تنعم بكامل ألوان الترف أمام المدفأة، بينما يقرص البرد أطرافَ مئات الآلاف في خيام اللاجئين.
أعلم أن الكلبَ والقطَّ أحدُ أفراد الأسرة في العالم الغربي، وهو يحظى باحترامٍ واهتمام الناس، لكن ما جرى لنا مع القطط السمان جدّد نظريات الاقتصاد حول الرأسمالية في العصر الحديث؛ قديمًا قالت النظرية: «من يملك يستحق، ومن لا يملك لا يستحق»، لكنها اليوم في غزّة أشد قسوة؛ فلا مجال لأن تملك شيئًا أو تكسب بعرقك شيئًا في عالمٍ تحكمه القطط السمان.
أصبحت: من يسرق يستحق، ومن لا يسرق لا يستحق.
آخرون، قبل أسابيع، ابتكروا حيلًا غريبة، ومعظمهم تركزت نواياه على كسب المال بأسلوبٍ جديد؛ فجمعوا كثيرًا من القطط والكلاب الضالة ليقوموا بالاعتناء بها. وتلك فكرة داعبت كثيرًا من المؤسسات المهتمة بالحيوان خارج قطاع غزّة. والحقيقة أن تلك الأنشطة ظهرت بعد انتشار أخبار جمع الاحتلال الإسرائيلي، في الحرب، عددًا من الحمير الضالة ونقلها خارج قطاع غزّة، ومن يومها يتمنى كثير من الناس—وهم يضحكون بعد أن طحنتهم الحرب—لو حصلوا على فرصة كما حصل الحمار.
تعلمون جميعًا أن الكلب أكثر وفاءً من القط. ومؤخرًا، بعد دخول أصنافٍ عديدة من الطعام لأسواق غزّة، عدّل القط في بيتنا من سلوكه؛ أصبح يفضّل التسكع كثيرًا، ينسحب بهدوء قبيل مغيب الشمس، ويطوف في شوارع الحي، ويعود صباح اليوم التالي. أصبح سمينًا قويًّا، لكن أقدامه متسخة، ويلجأ للمبيت في البيت فقط في أيام المنخفضات الجوية الشديدة. حاولنا مرارًا ثنيه عن تمرده غير المبرر في بيت—أقصد وطن—قدّم له كل سبل الحياة، لكننا كلما حاولنا إعادته للإقامة في البيت ووبخناه شدّ أذنيه للخلف، وأطرق رأسه وصمت، وأحيانًا يزمّ شفتيه ويغمض عينيه بطريقة استعطاف تجعلنا نؤجل قرار مصيره. ولكن يبدو أن كل القطط ناكرةٌ للمعروف، ولا يهمها سوى مصلحتها.
هذا السلوك المتمرد قد يدفعني لإعادة النظر في إقامته الحالية في البيت؛ فبعد أن أطعمته من جوع، وعالجته من أمراض، لا يُبدي أي التزام بقوانين الإقامة والنظافة. والحقّ: لا ينقصني قطٌّ متسكع، وقططٌ سمان تنهشنا في تفاصيل حياتنا الصعبة ليلًا ونهارًا.
