لم يعد الجدل حول إيلون ماسك مقتصراً على كونه رجل أعمال مثيراً للاستقطاب أو مالكاً لمنصة تواصل اجتماعي كبرى، بل بات يدور حول تحول بنيوي في موقعه ودوره، فالرجل اليوم يمثل نموذجاً جديداً للسلطة: فاعل غير منتخب، عابر للحدود، يمتلك المال والتكنولوجيا ومنصّة خطاب جماهيري قادرة على التأثير المباشر في الرأي العام داخل دول ذات سيادة، دون أي إطار ديمقراطي أو قانوني ينظم هذا النفوذ.
منذ استحواذه على منصة “X”، لم يعد ماسك مجرد مدافع عن مفهوم واسع لحرية التعبير، بل انتقل تدريجياً إلى الانخراط السياسي المباشر.
المثال الأبرز كان في ألمانيا، عندما أعلن صراحة دعمه لحزب “البديل من أجل ألمانيا” (AfD)، واعتبره “الأمل الوحيد لإنقاذ البلاد”. لم يكن هذا مجرد رأي شخصي معزول، بل تدخل انتخابي واضح من شخصية تمتلك منصة يستخدمها ملايين الألمان، وحزب يخضع أصلاً لمراقبة أجهزة الاستخبارات بسبب نزعاته القومية المتطرفة. هنا تجاوز ماسك حدود التعليق، وأصبح مشاركاً فعلياً في تشكيل المزاج السياسي.
الجدل لم يقتصر على أوروبا، في بريطانيا، أثارت منشوراته المتكررة التي تهاجم القضاء والمؤسسات الرسمية قلقاً سياسياً وإعلامياً، ليس لكون النقد محظوراً، بل بسبب الطابع التراكمي والتضخيمي لهذا الخطاب، خصوصاً حين يصدر عن شخص قادر على توجيه النقاش العام وتسليط الضوء على روايات معينة على حساب غيرها، في لحظات سياسية حساسة.
أما في الولايات المتحدة، فقد تبنى ماسك خطاباً عدائياً تجاه سياسات “التنوع والمساواة”، وأعاد نشر محتوى يشكك في بعض أسس التمثيل الديمقراطي. ورغم عدم وجود تصريح موثّق يدعو صراحة إلى تقييد حق التصويت، فإن نمط الخطاب، وسياق الإعادات والمشاركات، والجهات التي يضخّم محتواها، جعلت اسمه مرتبطاً بخطاب إقصائي يتقاطع مع أطروحات اليمين الشعبوي.
الخطورة هنا لا تكمن فقط فيما يُقال حرفياً، بل في البيئة الفكرية التي تُصنع وتُغذّى باستمرار.
ويتجلى هذا الخطر بوضوح في مثال إعادة مشاركة منشور يُلمّح إلى أن أدولف هتلر لم يكن المسؤول المباشر عن قتل ملايين اليهود، في سردية تلقي باللوم على البيروقراطية أو الدائرة المحيطة به، ورغم أن ماسك لم يصغ هذا الرأي بنفسه، فإن إعادة نشره من حسابه الشخصي منحته شرعية وانتشاراً عالميين. حذف المنشور لاحقاً لم يلغِ الأثر، لأن المشكلة لم تكن في “سوء تقدير لحظي”، بل في إعادة تدوير سرديات تاريخية خطيرة طالما استخدمتها حركات إنكار الجرائم النازية لتخفيف المسؤولية الأخلاقية والتاريخية.
الجدل ذاته تكرر في مقاربته للتاريخ الاستعماري والعبودية، حين قدّم قراءة مبسّطة لدور الإمبراطورية البريطانية بوصفها القوة التي “أنهت العبودية عالمياً”. هذا الطرح، رغم احتوائه على جزء جزئي من الحقيقة، تجاهل السياق الأشمل من الاستعمار والاستغلال ونهب الموارد البشرية والاقتصادية. اعتراض المؤرخين لم يكن بدافع أيديولوجي، بل لأن هذا النوع من السرديات المختزلة يحوّل التاريخ إلى أداة سياسية مريحة، تُستخدم لتقويض مطالب العدالة التاريخية أو مساءلة الإرث الاستعماري.
لكن الإشكالية الأعمق لا تتعلق فقط بما ينشره ماسك أو يعيد مشاركته، بل بكيفية إدارته للمنصّة نفسها بما ينسجم مع أهوائه وتوجهاته، فرغم رفعه الدائم لشعار “حرية التعبير المطلقة”، أظهرت الممارسة أن هذه الحرية ليست موزعة بالتساوي. فقد وُثّقت حالات جرى فيها تقييد أو تقليل انتشار محتوى لا ينسجم مع مواقفه، سواء عبر وسم الحسابات أو تعليقها، في مقابل تساهل ملحوظ - بل أحياناً تضخيم - لمحتوى استفزازي أو يميني متطرف يتقاطع مع خطابه.
الأكثر دلالة هو أن تفاعل ماسك الشخصي - إعجاباً أو إعادة نشر - يعمل عملياً كـمُضخِّم خوارزمي، يدفع محتوى معيناً إلى صدارة المشهد، بينما تُهمَّش أصوات أخرى لا تقل شرعية أو أهمية. وبهذا المعنى، لم تعد الخوارزمية أداة تقنية محايدة، بل أصبحت متأثرة بذوق واهتمامات مالك المنصّة، ما يحوّل “حرية التعبير” من مبدأ عام إلى امتياز انتقائي.
في المحصلة، لا يمكن اختزال ظاهرة إيلون ماسك في توصيف أيديولوجي بسيط، فهو ليس “زعيم يمين متطرف” بالمعنى التقليدي، ولا مجرد صاحب آراء شخصية.
نحن أمام نموذج جديد من السلطة: فرد غير منتخب، غير خاضع للمساءلة السياسية، يمتلك منصّة كونية، ويستخدمها للتأثير في الانتخابات، وإعادة صياغة السرديات التاريخية، وتطبيع خطاب كان يُعدّ هامشياً أو خطيراً.
السؤال الجوهري إذن لم يعد:
هل يحق لإيلون ماسك أن يعبّر عن رأيه؟
بل: من يراقب القوة حين تتحول المنصّة الرقمية نفسها إلى أداة سلطة؟


