السبت 27 ديسمبر 2025 الساعة 10:07 ص

مقالات وآراء

محمد بلور

مراسل إذاعة صوت الأقصى
عدد مقالات الكاتب [24 ]

رحلة البحث عن دجاجة

حجم الخط

هذا المخلوق الوديع يؤرقني منذ مارس ٢٠٢٥م.

الناس في غزة لديهم طقس أسبوعي مقدس، وهو وجبة يوم الجمعة التي يجب أن تتزين أطباقها بالدجاج. اللحوم الحمراء عادةً ليست في متناول الجميع، لكن الدجاجة كانت تحنو علينا بعطف كبير، فنستطيع شراؤها كل جمعة لنسكت بها شوقنا للحوم.

منذ مارس ٢٠٢٥م اختفت اللحوم عامةً من غزة، وأهمها الدجاج. وعندما بدأت تعود إلى الأسواق قبل ٣ أسابيع، بلغ ثمن كيلو الدجاج 22 دولارًا أمريكيًا، وأحيانًا كان يشتد سعار الاستغلال فيصل الثمن على يد اللصوص وتجار الحروب إلى ٣٠ دولارًا أمريكيًا.

في بداية الحرب قصف الاحتلال الإسرائيلي مزارع الدواجن ومنع وصول الأعلاف، فاضطر التجار لبيعها بثمن بخس، ووصل ثمن الدجاجة الواحدة وزن ١٥٠٠ غم إلى ٣–٤ دولارات. في تلك الأيام اعتقد الناس أن تلك نعمة بسبب انخفاض الأسعار، لكن النقمة حلت بعد أيام حين اشتد القصف على كل كائن حي، ومع اشتداد المجاعة أصبحت اللحوم، وخاصة الدواجن، ضيفًا عزيزًا يزورنا كلما وقع وقف لإطلاق النار أو تدخلت المؤسسات الدولية والإغاثية لإدخال الطعام.

تعاني غزة من عملية إبادة جماعية منذ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣م، وحسب وزارة الصحة في قطاع غزة، اليوم زادت حصيلة حرب الإبادة والتجويع على 68 ألفًا و865 فلسطينيًا، إضافة إلى 170 ألفًا و670 مصابًا، لكن الإحصاءات قابلة للزيادة كل يوم بعد اتفاق وقف إطلاق النار ١٠ أكتوبر الماضي، حيث جُمع مئات الضحايا، معظمهم مجهولو الهوية، من تحت أنقاض مبانٍ مدمرة أو من مقابر جماعية كثير منها عليها آثار تعذيب أو تعرضت للإعدام.

حتى اليوم، فرصة الحصول على دجاجة شيء صعب، ونخضع نحن أولياء الأمور لهذا الاختبار القسري كل أسبوع حتى نسكت جوع أطفالنا، لكننا نفشل في كل مرة.

يبدأ الحراك كل أسبوع على مواقع التواصل الاجتماعي صبيحة كل خميس وجمعة، فيوم الجمعة هو يوم الإجازة الأسبوعية الرسمية الذي اعتاد أهل غزة فيه تناول لحوم الدجاج. وبعد تصفح ومتابعة مواقع التواصل الاجتماعي تبدأ سلسلة اتصالات مع الأصدقاء والأقارب والعاملين في محلات اللحوم والأسواق. وبعد ورود أول أنباء وصول الدجاج للسوق تبدأ عملية المطاردة، التي تفشل مع معظم الناس الذين يتنوع معظم شرائهم بواسطة المحافظ الإلكترونية نظرًا لوجود أزمة سيولة نقدية، حيث لا تزال البنوك بعد فتح أبوابها نهاية أكتوبر الماضي ترفض فتح حسابات بنكية، إضافة إلى رفض سحب وإيداع النقود بأمر من الاحتلال الإسرائيلي.

يوم الخميس الماضي استأنفت رحلة البحث عن دجاجة. زرت مركزين تجاريين عادا للعمل من جديد، وثلاثة محال في سوق منطقة النصيرات وسط قطاع غزة، والتي يسكنها خلال الحرب قرابة ٣٠٠ ألف نسمة بعد أن كان عدد سكانها ١٠٠ ألف فقط. وهي مخيم للاجئين الفلسطينيين، لكن الناس لجؤوا لها لأنها الأقل ضررًا في الحرب، فقد دمر الاحتلال ١٠% من مبانيها مقارنة بمناطق أخرى فقدت في الحرب ٨٠–٩٠% من مبانيها.

الكمية القليلة التي وصلت يوم الخميس نفدت في دقائق، مع توفر أنواع قليلة من اللحوم المجمدة عليها علامات تجارية مصرية وبرازيلية. وجد البعض أنفسهم مضطرين لشرائها كبديل عن سيدة المائدة في غزة وهي الدجاجة.

ويؤدي نقص البروتين الموجود في الدجاج وأنواع عديدة من الطعام سلبًا على صحة الجسم، لأنه عنصر أساسي لبناء الأنسجة والعضلات والإنزيمات والهرمونات.

ويتسبب نقص البروتين الذي اعتاد سكان غزة على تناول معظمه من لحوم الدواجن في ضعف المناعة والعضلات وتأخير شفاء الجروح.

وحسب بنود بروتوكول باريس الناتج عن الاتفاق الاقتصادي بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل عام ١٩٩٤م، تتحكم إسرائيل في معظم أنواع السلع والبضائع الواردة والصادرة. وبعد سيطرة حماس على غزة سنة ٢٠٠٧م منعت إسرائيل دخول كثير من السلع بحجة أن بعضها يخدم الإرهاب، فيما تتحكم بالأمن الغذائي بشكل عام، وهي تحدد كمية كل صنف يدخل لغزة بشكل محدود. ولكن المعاناة زادت في الحرب بعد ٧ أكتوبر ٢٠٢٣م بعد انهيار الزراعة والصناعة المحلية، وتضرر أسواق تخلو من السلع المهمة مثل الوقود بكل أنواعه واللحوم ومواد البناء وآلاف السلع، وسط انهيار القطاع الخاص بشكل كامل وبقاء جزء قليل من القطاع العام.

حاولت المضِيّ مضطرًا في طريق الأصدقاء لمساومة اثنين سمعت أنهما حصلا على صندوقين من الدجاج المصري المجمد، وزن كل دجاجة ١١٠٠ غم، في كل صندوق ١٠ دجاجات، لكن سبقني من دفع ثمن أكبر وهو ٢٠ دولارًا أمريكيًا لكل دجاجة، وهكذا فشلت الرحلة.

طفلي الصغير آدم (٦ سنوات) وطفلتي سارة (٩ سنوات) كانا في حالة ترقب، وعندما وصلت البيت غضبا كثيرًا. أما ابنتي مريم (١٣ سنة) فقد كانت أكثر عطفًا علي، وواستني بكلمات تفوق عمرها، فقد زادت خبرتها الاجتماعية في الحرب وأصبحت تشاركني الهموم.

عند الخامسة مساءً تلقيت اتصالًا من شقيقي بوصول كمية محدودة من الدجاج للسوق. ولأنني أعاني إصابة تمزق في غضروف الركبة وتدهورت حالتي الصحية بسبب عدم حصولي على تشخيص صورة الرنين المغناطيسي، ومعاناتي من المجاعة التي نزل فيها وزني ٣٤ كغم، استعنت بابني الكبير (١٥ سنة)، واسمه مالك الذي يُعدّ أسرع مني في التنقل. وبعد محاولات إقناع شاقة، لأنه يعلم النتيجة مسبقًا، وافق على البحث عن دجاجة. لكنه بعد دقائق اتصل بي معلنًا النتيجة المعلومة مسبقًا، وهكذا فشلنا مرة أخرى.

في طريق عودتي زرت الصيدلية لشراء علاج "كولشيسين" الذي وصفه لي طبيب قبل ١٨ سنة لعلاج التهاب المفاصل والأوعية الدموية؛ الصيدلاني ضحك كثيرًا وأنا أطلب العلاج، معللًا ذلك بأن هذا العلاج يلجأ له مرضى النقرس الذين يتسبب لهم تناول اللحم بالتهاب المفاصل، وهذا عكس واقع المجتمع الذي يبحث عن اللحوم فلا يجدها.

الأطفال في البيت يجلبون لي كل أسبوع معلومات عن نجاح بعض الجيران في الحصول على دجاجة، وأنا أقف أمام عجزي. لذا اضطررت للمرة الرابعة في يومين لبدء رحلة البحث عن أي نوع من اللحوم، وقد نجحت، لكن دون موافقة بناتي الثلاث والولدين وأمهم، حين اشتريت ١٨٠٠ غم من لحم عجل برازيلي مُجمّد. وبعد استهلاك ٧ كيلو من الخشب لإشعال النار، تناولوا جزءًا من اللحم وهم يتحدثون عن الضيف العزيز الغائب وهو الدجاجة.

القط في البيت هو الوحيد الذي صاحبني حتى نهاية وجبة الغذاء، وهو يأكل جزءًا من الدهون وبقايا اللحم. هذا القط مرض وانخفض وزنه كثيرًا، ونحل شعره بشدة، وأصيب بمرض جلدي، وحصل بعده على تطعيم قبل أسابيع حتى لا يموت.

حين بدأت المجاعة في مارس الماضي واستمرت حتى وقف إطلاق النار في أكتوبر ٢٠٢٥م كنا نراقب ضعف أجسادنا جميعًا. فلم نتناول سوى وجبة واحدة في اليوم وهي حساء العدس، وعجزنا خلال المجاعة عن تناول الخبز لعشرة أيام كاملة، وفي بقية أسابيع المجاعة كانت أسرتي المكونة من ٧ أفراد تحصل على ١ كيلوغرام من الدقيق بثمن ٢٣ دولارًا أمريكيًا كل يوم، وهي مهمة تجبرني على مساومة التجار واللصوص لأنه سلعة نادرة الوجود.

قبل ٧ أكتوبر ٢٠٢٣م كان الميسورون ماليًا — وهم قلة — يتناولون لحم الخروف والأبقار. هكذا كبرنا طوال ١٨ سنة من حصار غزة المستمر الذي تسبب بارتفاع معدل الفقر والبطالة. أما قبل قدوم السلطة الفلسطينية عام ١٩٩٤م فكان عمل الفلسطينيين داخل إسرائيل يجلب لهم كثيرًا من المال.

يترقب ١٦,٥٠٠ مريض، حسب إحصاءات منظمة الصحة العالمية نوفمبر ٢٠٢٥م، الإجلاء خارج قطاع غزة للحصول على علاج. المرضى هم مجموعة من جرحى الحرب وأصحاب الأمراض الصعبة.

قبل أيام قابلت طبيبًا يعمل في المستشفى الأوروبي جنوب قطاع غزة ونحن في انتظار دورنا في صالون الحلاقة. أخبرني أن الجروح لا تلتئم بعد العمليات الجراحية بسبب سوء التغذية. وعندما يرشد الأطباء المرضى لتناول البروتين تثور حالة من الضحك على غياب الدجاج منذ شهور، ومعه بقية أنواع اللحوم.

وحسب مصادر طبية فلسطينية بلغ حتى الأسبوع الأول من سبتمبر ٢٠٢٥م العدد الإجمالي لضحايا المجاعة وسوء التغذية بغزة 387 حالة وفاة من بينهم 138 طفلًا، بينما تسببت المجاعة بعد وقف إطلاق النار في مشاكل صحية للأطفال حديثي الولادة لا يمكن إصلاحها.

ويعاني سوء التغذية والمجاعة 900 ألف طفل في غزة، 70 ألفًا منهم دخلوا مرحلة سوء التغذية خلال فترة المجاعة الحادة مارس–أكتوبر ٢٠٢٥م، التي لم تنتهِ بعد، لكنها انخفضت حدتها بعد دخول المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار بين حماس وإسرائيل في ١٠ أكتوبر ٢٠٢٥م.

الدجاج يصل في الأسبوع الماضي بشكل قليل للأسواق، لكن معظم الناس لا تتمكن من دفع ثمنه، فهناك أزمة فقر وبطالة لم يشهدها قطاع غزة من قبل.

وتقول نتائج مسح القوى العاملة في قطاع غزة في الربع الرابع من عام 2024 إن معدلات البطالة ارتفعت لتصل إلى حوالي 68% مقابل حوالي 45% في الربع الثالث من عام 2023، بينما قفزت الإحصاءات قبل شهرين إلى نسبة بطالة 80%.

عندما كنت صغيرًا كانت أمي تربي دجاجًا من نوع مختلف للحصول على البيض، وأحيانًا تربي صغاره لننال لحومها حين يزداد وزنها. واليوم وأنا أقنع الصغار باقتراب انتهاء الأزمة أحدثهم عن قن الدجاج في بيتنا القديم، وأجد نفسي مضطرًا لتناول الخبز مع بقايا حساء اللحم من وجبة أمس، وأقنعهم لتناول الطعام معي، ولكن دون جدوى بعد غياب ما يريدون.