أَعْجَبُ مِن خُطَباءِ الجُمُعةِ والوُعّاظِ يُرَدِّدونَ كُلَّ أُسْبوعٍ ملاحظاتٍ مهمّةً عن مشكلاتِ المُجتمعِ، مُحَذِّرينَ مِن خُطورتِها بالنُّصوصِ والأدلّةِ والبراهينِ، ولا يَقترحونَ ـ ولو بالكلمةِ ـ حَلًّا واحدًا أمامَ حُزمةٍ من المشكلات.
دَوْرُ العُلَماءِ والوُعّاظِ ليسَ فقطِ التبيينَ، بل المبادرةُ والمُشاركةُ مع المُخلِصينَ في المجتمعِ لمُمارسةِ فِعلٍ عمليٍّ، والتوجّهُ إلى كُلِّ صاحبِ شَأنٍ لِيَقِفَ عندَ مسؤوليّته.
هكذا قادَ العُلَماءُ شُعوبَهُم في الثوراتِ والمناسباتِ الكبيرةِ والمَحافلِ العامّةِ، بعيدًا عن الخُطَبِ والكَلِماتِ التي لا تُسهمُ في حَلِّ مشكلةٍ، لأنَّ الفاسدينَ يُواصِلونَ الفسادَ والرِّبحَ وطريقَ المنفعةِ خلالَ الحربِ وبعدَها بوقاحةٍ.
وأَعْجَبُ مِن خُطَباءِ الجُمعةِ الذينَ يُكَرِّرونَ الحديثَ عن فَضْلِ الرِّباطِ في غزّةَ وعسقلانَ، ولا يَتَحدّثونَ عن إعمارِ غزّةَ وحاجتِها إلى إعادةِ إصلاحٍ في الشَّجَرِ والحَجَرِ والإنسانِ بعدَ انهيارِ المجتمعِ.
يَجِبُ أن نَعترفَ بأخطائِنا أوّلًا، ثم نَهتمَّ ببِناءِ المجتمعِ؛ فرِحلةُ الإنسانِ في الحياةِ والإعمارِ ليست قتالًا ورِباطًا وتضحيةً بقدرِ ما هي إعمارٌ وبناءُ مجتمعٍ. لسنا طُلّابَ موتٍ، والخِطابُ الذي يُركّز على جُزءٍ من التضحيةِ ويَفتَقِرُ إلى البناءِ لم يَعُد مُقنِعًا لجمهورٍ مُثْقَلٍ بالهمومِ والأزماتِ، وجيلٍ تَدَهورت أحوالُه التعليميّةُ والصِّحيةُ.
الإسلامُ دينُ سلامٍ وبناءٍ وحِكمةٍ، حتّى في الصراعِ مع العدوّ. ومتى جاءَ وقتُ التضحيةِ وفُرِضَ علينا العُدوانُ فمَرحبًا بالتضحيةِ مِن أجلِ اللهِ والوطنِ والعِرضِ، ولكنّها ليست حالةً دائمةً تُختَطَفُ معها الشَّبابُ والطاقةُ والإمكاناتُ.


