تبدأ الحكاية من هناك، من بين الركام والظلال الثقيلة للحرب.
حين لا يبقى للغزي سوى جواز سفر باهت، وحقيبة أمل معلّقة على المجهول.
بعد عامين من الحرب التي أكلت الحجر والبشر، صار الخروج من #غزة حلمًا يتشبث به آلاف الفلسطينيين كمن يتعلق بقشة في بحرٍ غاضب. لكنّ هذا الحلم ما لبث أن انقلب إلى كابوسٍ جديد، مع ظهور مبادراتٍ ومنظماتٍ غامضة تدّعي “تنسيق” رحلات إنقاذ، بعضها انتهى بمآسٍ إنسانية حقيقية.
إحدى أبرز هذه المبادرات تُنسب إلى ما يُعرف بـ"مؤسسة المجد"، التي تقول إن مقرّها في القدس، ويمثلها شاب من النصيرات يُدعى م. ص يقيم حالياً في بلجيكا.
المؤسسة تعرض “تنسيق سفر إنساني” للعائلات والفتيات فقط، مقابل 2000 دولار للفرد، مع توقيع تعهدٍ بعدم العودة إلى غزة لمدة خمس سنوات. الوجهات المعلنة: جنوب أفريقيا أو إندونيسيا، وقد غادرت بالفعل دفعاتٌ خلال الأسابيع الأخيرة.
لكن وراء وعود “النجاة” تنتصب مأساةٌ أخرى.
شهادات من المسافرين كشفت أن جنوب أفريقيا رفضت استقبال الدفعة الأخيرة، فبقي نحو 180 فلسطينياً — بينهم نساء وأطفال ومرضى — عالقين لساعات طويلة داخل مطارٍ أجنبي، قبل أن تُعاد طائرتهم إلى كينيا حيث ما زالت الأزمة مستمرة.
رحلات الخروج هذه تجري بصمتٍ مريب، بعيدًا عن أي إعلانٍ رسمي أو رقابةٍ وطنية، خشية أن تُتَّهم الجهات المنظمة بالتورط في خطة التهجير الصامت — أحد أخطر الأهداف الإسرائيلية في حربها على غزة: تفريغ الأرض من أهلها، بخنقهم اقتصاديًا ومعيشيًا، ودفعهم نحو “الخلاص” عبر أبوابٍ تفتح على المنافي.
في غياب أي جهةٍ فلسطينية تشرف على هذا الملف، ومع يأس الناس وانسداد الأفق، يتحول “التنسيق الإنساني” إلى فخٍ للابتزاز والمغامرة، وإلى مشروع تهجيرٍ مقنّعٍ يختبر قدرة الفلسطيني على الاحتمال.
ذلك الذي ظلّ يقاوم تحت القصف، يجد نفسه اليوم عالقًا بين مطرقة الحرب وسندان الخروج القسري.
ويبقى السؤال المُرّ:
هل ما يجري هو إجلاءٌ إنساني مؤقت؟ أم هندسة ديمغرافية صامتة تُنفَّذ على مراحل، بأدواتٍ ناعمةٍ وتواطؤٍ دوليٍ لا يتكلم؟
المعطيات الميدانية وشهادات العالقين تقول إن الإجابة تكاد تكون محسومة:
الفلسطيني يُهجَّر مرتين — من بيته... ومن حياته.


