الأربعاء 31 ديسمبر 2025 الساعة 04:47 ص

مقالات وآراء

محمد بلور

مراسل إذاعة صوت الأقصى
عدد مقالات الكاتب [24 ]

غزة شرقية وغربية.. وضفة جبنةٍ سويسرية!

حجم الخط

أهلًا بكم في أليس في بلاد العجائب... قصتنا حزينة، حزينة بتقديرٍ حزينٍ جدًّا. نحن مجتمعٌ مدمَّر بعد الإبادة الجماعية ومخطط التهجير الذي لم ينتهِ بعد.

غزة غارقةٌ حتى أذنيها في مشاكل الحياة اليومية؛ إنها كوكبُ أزماتٍ ومعاناةٍ دون مبالغة، فلم تتغير مشاكل الوقود والخبز والمياه والكهرباء والسكن والطعام والسيولة والتطبيق البنكي والتعليم والعلاج. ترى، ماذا بقي لنا من كرامةِ حياة؟!

الآن يجب أن نتحرك كمجتمعٍ مدنيٍّ ومثقفين وشرفاء، لأن هذا الواقع المدمَّر سيطول أمدُه، والتحلّي بالإيجابية والعمل معًا بنيّةٍ صادقةٍ هو دفاعٌ عن أنفسنا وأُسرِنا. أما أن نكتفي بتناقل الهموم والمنشورات والتعقيب والتعليق، فهذا يعزز خطّة مَن دمّرنا، بدءًا من الاحتلال، مرورًا بتجّار الحروب وشركائهم، وانتهاءً بكذبة «العمل الخيري الإنساني» الذي تبيّن أن معظمه، وليس كله، وسيلةٌ للسرقة.

غزة الشرقية تمثّل ٥٣٪ من مساحة غزة قبل ٧ أكتوبر ٢٠٢٣م من أصل المساحة الكلية لقطاع غزة البالغة ٣٦٥ كم²، أمّا غزة الغربية فهي ما تبقّى (٤٧٪) من القطاع، تتعرض حدودها للقصف وإطلاق النار. ومنذ سريان وقف إطلاق النار في ١٠ أكتوبر ٢٠٢٥م سُجّل ١٩٤ خرقًا أدّى لاستشهاد أكثر من ٢٢٢ شخصًا وإصابة أكثر من ٤٧٠، في حين وصلت عشرات الجثامين لشهداء جرى انتشالهم وعليها علاماتُ تعذيبٍ قبل إعدامهم، بينما لم يتبقَّ من أصل ٢٨ جثةً للاحتلال سوى ٨ فقط.

قبل أسبوعين، بدأت ألاحظ حديث الإعلام الأمريكي عن نموذج «غزة الشرقية» التي قد تطالها مظاهرُ حياةٍ وإعمارٍ، مع إبقاء «غزة الغربية» –ويقصد بها ما غرب الخط الأصفر– نموذجًا محاصرًا منكوبًا ومنطقةً طاردةً للحياة.

الاحتلال، بدعمٍ أمريكيٍّ مطلق، يريد ترسيخ واقعِ حياةٍ مدمَّرةٍ وفاسدةٍ تخلو من الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الصحة والتعليم، وتغوص في تفاصيلَ لا تنتهي من معاناة النهار والليل، وكل ذلك يخدم ديمومةَ التهجير وتدمير جيلٍ ومجتمعٍ بأكمله.

يغرينا مسمّى «غزة الشرقية والغربية» بتذكّر نماذج ألمانيا الشرقية والغربية، وفيتنام الشمالية والجنوبية، وكوريا الشمالية والجنوبية، واليمن الشمالي والجنوبي. هذه المسميات عكست واقعًا سياسيًا وديموغرافيًا واقتصاديًا خطيرًا، تجلّت فيه نماذجُ متعاكسة من جهة الحريات والرفاه، رغم وحدة القومية واللغة والمصير والدين. لكنّ مَن قسمها كان غالبًا استعمارًا أو احتلالًا أجنبيًّا تركَ شرخًا في مجتمعاتٍ كانت متآلفة.

غزة المدمَّرة، المنكوبة، رغم صِغر حجمها، تتقاسم المخطط ذاته؛ فنصفها تحت سيطرة الاحتلال وعصاباته، ربما يشهد نمطَ حياةٍ استهلاكيًّا محسّنًا –وهذا ليس مؤكدًا– من طعامٍ وشرابٍ وسكنٍ وفرص عمل، بينما يعيش سكان غزة في شريطٍ صغيرٍ وضيقٍ غربًا بمعاناةٍ شديدة.

ماذا نفعل؟

بعد أقل من شهر، لم يلتزم الاحتلال بشيءٍ من بنود الاتفاق، مثل وقف القصف وإدخال المساعدات. فعدد الشاحنات على المعابر لا يتجاوز ١٥٠-٢٠٠ يوميًا، بينما المتفق عليه قرابة ٦٠٠، ولا يزال معبر رفح مغلقًا أمام ٢٠ ألفًا من الجرحى والمرضى والفئات التي تحتاج للسفر العاجل. كثيرٌ من مستلزمات المؤسسات الإغاثية والتعليمية والصحية لم تصل، بسبب المنع المتعمّد والتلكؤ، ما أدّى إلى جولات تصعيدٍ جديدةٍ جدّدت مشاهد الإبادة الجماعية مرتين، عدا قصف نقاط وخطوط الخط الأصفر.

لذلك، فإن واقعنا هذا –في مرحلته الأولى– قد يطول ويمتد، وبفهم أولويات الإنسان لا بد من كبح جماح الجريمة المنظمة والفلتان الأمني، وقد كان للشرطة والطواقم الأمنية في غزة جهودٌ في إنهاء بعض ظواهر الجريمة المرتبطة بالاحتلال، وهذا أمرٌ مهم.

المهم أيضًا هو الأولويات المعيشية التي تؤرقنا جميعًا، وأهمها الأسواق وسلعها التي أعجزتنا عن الشراء والاستهلاك. ولا يزال تجار وأمراء الحروب يمارسون ذات اللعبة ويتحكمون في حياة البسطاء وقد اعتادوا الربح المجنون، لا المضاعف فقط. هؤلاء بحاجة إلى عقابٍ رادعٍ لأنهم تجاهلوا النداء والتحذير، وعلى المؤسسات الحكومية أن تكشف موقفها مفصلًا ليعرف المواطن ما يجري، ويتكرّر ذلك حتى نتجنّب الإشاعة والإعلام المغرض على وسائل التواصل.

من السهل السيطرة على الفاسدين من التجار بالقوة الخشنة وأخرى ناعمة؛ فمصادرة سلعهم، وإغلاق بعض محالّهم، وتعزير آخرين بعقابٍ علنيٍّ يردع الكثيرين، أما من أبى فله طريقةٌ واحدةٌ معلومةٌ ونهائية.

هناك سلعٌ حساسة حاليًا تتعلق بالموسم وأخرى غير موسمية مهمة يوميًا مثل الخبز والملابس الشتوية والقرطاسية، وهي بحاجة لضبط. وتلك ليست مسؤولية الشرطة وحدها، بل علينا جميعًا مساعدتهم بالإبلاغ عن المخالفين، كما يجب على الوجهاء الذين أدّوا دورًا مهمًّا في ضبط النزاعات أن يكملوا هذا الدور.

والأهم هو إعلان معاقبة من تورّط وأصرّ على المتاجرة بهموم الناس وحاجاتهم، واستخدام وسائل التواصل لتوضيح ذلك علنًا دون مواربة.

معاقبة المخالفين في السوق، ومعرفة الناس بكل مجرمٍ من تجار المال الكبار أولًا ثم الصغار من بعدهم، وإعلان ذلك، قد يعيد ثقة الناس بعودة الحياة وتقاسم الهموم معًا. وإلّا فإن ترك المجرم يزداد غنًى سيُضيّع معه بقيةَ آمال الحياة.

من الممكن حصر السلع الأساسية والبدء فيها واحدةً تلو الأخرى، مع معاقبة كل مخالفٍ والإعلان عنه دون سترٍ مطلق، والإجابة عن سؤال الناس المحق:

لماذا تركتم هذا الوحش طوال الحرب، وحتى الآن، ينهشفينا ولم تعاقبوه ولم تمنعوه؟

أما الضفة الغربية، فهي قطعة جبنةٍ سويسريةٍ مليئةٍ بالثقوب بسبب المستوطنات، فقدت خلال الحرب فقط ١٤٪ من مساحتها، بينما تعزز واقعٌ ديموغرافيٌّ جديدٌ يدعم التهجير. مارس الاحتلال والمستوطنون هجماتٍ مسلحةً مستمرة، وأضحت الضفة عالمًا آخر منفصلًا عن غزة تمامًا، لذا فإن مستقبلها خطير. السلطة الفلسطينية هناك ضعيفة، والمجتمع يفتقد للحياة السياسية الحقيقية، وهذا يكرّس مخطط الاحتلال لحسم ملف الضفة قريبًا بمصادرة مساحاتٍ واسعةٍ وإغلاق ملف المقدسات لصالح هيمنةٍ كاملةٍ، وتحويل ما تبقّى من أرضها إلى أرخبيلٍ بلا تواصلٍ جغرافي.

تتحمّل السلطة الفلسطينية مسؤولية الحياة اليومية اقتصاديًا وإداريًا، لكنها في ظل فقدان الإصلاح للمؤسسات الوطنية والسياسية، قد تواجه مصير غزة ذاته. وليس من الضروري أن يتكرّر نموذج ٧ أكتوبر، فالاحتلال جاهز للمبادرة في ظل واقعٍ تطبيعيٍّ وموقفٍ إقليميٍّ ودوليٍّ ضعيفٍ وسلبيٍّ تجاه معاناة الفلسطيني عمومًا.

مصير غزة والضفة الغربية ليس مختلفًا؛ وقد تكون هناك «ضفتان» بدل ضفةٍ واحدة، أو ضفةٌ غربية وأخرى شرقية، من يدري؟!

لغزة حقٌّ على الضفة ومجتمعها ومؤسساتها؛ فهم فلسطينيون ومصيرهم واحد، ومعظم المؤسسات المهمة تقيم هناك، وحالتهم الاقتصادية أفضل من غزة، وعليهم معاونة الشطر المنكوب من الوطن وعدم تركه ضحيةً لوحش الاحتلال وأعوانه.

نحن بحاجةٍ إلى التصالح مع أنفسنا وإنقاذ الإنسان. ففي نماذج تدمير الحروب الفظيعة بدأ التغيير من تعزيز التعليم ودعمه، كما حدث في الدول التي دُمّرت في الحرب العالمية الثانية، وعلى رأسها اليابان وألمانيا. نحن لسنا عاجزين بالمطلق متى توفّرت الأمانة والنيّة الصادقة، بشرط أن نتخلّص أولًا من تجار وأمراء الحروب والأزمات، ومن المتنفّذين وخدّام المال، ثم نُصلح ملفّ الصحة ونحسّن الحياة الاجتماعية عامةً. هذا أهمّ من كل الوسائل الأخرى في العمل الوطني.

فمتى توفّر الوعي ومجتمعٌ سليم، تلاه واقعٌ وحياةٌ سياسيةٌ صحيّة.

القضية الفلسطينية لن تموت، لكن المشكلة فينا قبل عدونا ومحيطنا الإقليمي.

والبداية من أنفسنا أولًا.