يسود غضب واسع في قطاع غزة بعد إعلان عدد من البنوك المحلية استئناف عملها بشكل جزئي داخل بعض المناطق، في خطوة وصفها المواطنون بأنها "عودة شكلية" لا تلبي احتياجاتهم الفعلية في ظل الأزمة الإنسانية والاقتصادية الخانقة التي يعيشها القطاع بعد عامين من الحرب.
ورغم إعلان البنوك فتح أبوابها لساعات محدودة، فإن الخدمات المتاحة بقيت ضيقة النطاق، واقتصرت على حل المشكلات في الحسابات البنكية وبعض المعاملات الإدارية، فيما توقفت عمليات الإيداع والسحب النقدي بشكل طبيعي، الأمر الذي جعل من العودة المصرفية أقرب إلى إجراء رمزي منها إلى خدمة حقيقية.
ويعاني قطاع غزة من فقدان شبه كامل للسيولة النقدية منذ بداية العدوان الإسرائيلي، ما أدى إلى تآكل العملة المتداولة بأيدي المواطنين ورفض بعض التجار والباعة التعامل بها لتلفها الشديد.
المواطن معاذ إسماعيل (45 عامًا) عبّر عن استيائه قائلاً: "ذهبنا إلى البنك بعد إعلان عودة العمل فيه، لكننا لم نجد شيئًا تغيّر، الصفوف طويلة، والخدمات معطّلة، ولا يمكننا فعل أي شيء مفيد".
وأضاف في حديثه " أن الخدمات التي تقدمها البنوك "شكلية"، ولا تعبّر عن حاجة المواطن المستنزف الذي يعيش منذ عامين في ظروف حرب متواصلة، داعيًا سلطة النقد إلى إدخال السيولة النقدية إلى قطاع غزة وفتح خدمات البنوك بشكل كامل.
أما المواطنة آمنة طبيل فقالت إنها لم تتوجه إلى البنك رغم إعلان استئناف العمل فيه، معتبرةً أن ما يجري "تلاعب واضح على المواطنين".
وأضافت: "من الأجدر بالبنوك وسلطة النقد فتح جميع الخدمات دون قيود، لا أن تُفتح الأبواب فقط لحفظ ماء الوجه".
وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، انتشرت منشورات ساخرة من طريقة عمل البنوك، كتب أحد النشطاء سليمان أبو صبحة: "بنوك غزة غدًا تعلن فتح أبوابها لتقديم الخدمات التالية: شحن للهواتف النقالة، إنترنت قوي للتصفح، تقديم التهاني بانتهاء الحرب، وجلسات هادئة!"
من جانبه، رأى الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر أن افتتاح فروع البنوك دون إتاحة السحب والإيداع الفعلي "لا يُحدث أي تغيير جوهري في المشهد المالي المتأزم"، مشيرًا إلى أن "فتح الأبواب بلا سيولة يبقي الحسابات مجمّدة ويجبر المواطنين على اللجوء إلى السوق السوداء ودفع عمولات باهظة للحصول على النقد".
وأوضح أبو قمر أن "العودة الشكلية للعمل المصرفي لا معنى لها ما لم تُضخ أموال نقدية حقيقية تتيح التعامل الطبيعي بين الأفراد والمؤسسات"، معتبرًا أن "السيولة هي شريان الحياة الاقتصادية وضمان استمرار النشاط التجاري ودفع الأجور".
وأشار إلى أن "الدمار الذي طال 95% من البنية المصرفية في غزة تسبب بخسائر بمئات الملايين من الدولارات"، مضيفًا أن "تشغيل فروع محدودة بشكل مرحلي لا يكفي دون خطة عاجلة لتأمين السيولة وحماية مدخرات المواطنين".
وبيّنت التقارير الدولية أن كلفة إعادة الإعمار المالي تُقدّر بنحو 42 مليون دولار، "غير أن الحاجة الفورية تتمثل في كبح السوق السوداء وضمان وصول النقد إلى الفروع والصرافات"، وفق أبو قمر.
وقال الخبير الاقتصادي إن "الرؤية المطلوبة لإنعاش الاقتصاد الغزّي تقوم على ضخ السيولة المنتظمة عبر القنوات الرسمية، وتوسيع أنظمة الدفع الرقمي، وبناء الثقة مع المواطنين من خلال إلغاء العمولات المبالغ فيها وضمان الودائع".


