قمة الدوحة… البيان الذي لم يتجاوز الكلمات
حصلتُ على مسودة البيان الختامي للقمة العربية - الإسلامية التي تنعقد في الدوحة الاثنين 15/09/2025 عقب العدوان الإسرائيلي على العاصمة القطرية. وبالاطلاع على النص – ما لم يتم تغييره في اللحظات الأخيرة، كان واضحاً منذ البداية أن البيان لن يتجاوز الإطار المألوف: إدانة، شجب، استدعاء للمواثيق الدولية، وتكرار لعبارات سمعناها في أزمات سابقة.
ورغم أن الاعتداء هذه المرة طال دولة عربية - إسلامية عضو في الأمم المتحدة، ويمس قلب الوساطة الإقليمية، فإن سقف القمة لم يرتفع فوق اللغة الدبلوماسية المكررة.
اللغة المستخدمة
البيان مكتوب بلغة تقليدية تعتمد على التنديد والشجب والإدانة، مع استدعاء متكرر لقرارات الأمم المتحدة والجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي. هذه اللغة تبدو مألوفة، لكنها تفتقر إلى أي التزامات فعلية أو إجراءات تنفيذية ملموسة، الأمر الذي يجعلها مجرد تكرار لخطاب قديم لم يعد يقنع أحداً.
طبيعة القرارات
البنود الأساسية التي تكررت في النص يمكن تلخيصها في أربعة محاور:
· إدانة العدوان الإسرائيلي على الدوحة واعتباره خطراً على الأمن الإقليمي والدولي.
· إعلان التضامن مع قطر والدعوة إلى تحرّك المجتمع الدولي.
· التذكير بقرارات سابقة ومبادئ القانون الدولي.
· التأكيد على دعم فلسطين ورفض الاستيطان والتهجير.
لكن في النهاية، هذه كلها مواقف لفظية لا تختلف كثيراً عن بيانات سابقة في أزمات مشابهة، وهو ما يفرغها من أي مضمون حقيقي.
غياب الرد العملي
رغم أن العدوان هذه المرة كان مختلفاً واستهدف الدوحة عاصمة قطر، لم يتجاوز البيان سقف اللغة الدبلوماسية. لم تُطرح عقوبات، لم تُقطع علاقات، لم تُعلَّق اتفاقيات أو استثمارات، بمعنى آخر، لم يتجاوز الموقف الرسمي حدود الورق.
الرسالة الضمنية لإسرائيل
هذا النوع من البيانات يمنح حكومة نتنياهو رسالة واضحة: العدوان لا يترتب عليه أي تكلفة حقيقية. وهكذا، بدلاً من الردع، قد يشجّع البيان إسرائيل على المضي في سياساتها التوسعية والعدوانية، مطمئنةً إلى أن الرد سيبقى دائماً في حدود التنديد اللفظي.
ما خرجت به قمة الدوحة لا يعكس حجم الجريمة ولا مستوى الخطر، فقد اكتفت القيادات العربية والإسلامية، مرة أخرى، ببيان طويل (6 صفحات وزيادة) يفيض بالشجب والتنديد، بينما كانت الشعوب تتطلع إلى قرارات جريئة تضع حداً لمسلسل الاستباحة.
هذا الفارق بين التطلعات والنتائج ولّد حالة عميقة من الإحباط، ليس لأن أحداً كان ينتظر إعلان حرب، بل لأن الحد الأدنى من القرارات الممكنة لم يُتخذ.
إن القمم التي تتحول إلى مناسبات بروتوكولية تفقد معناها، وتتحول إلى صورة مكررة من العجز.
فبعد عامين من الإبادة في غزة والضفة، وبعد الاعتداء على ست عواصم عربية وإسلامية، ثم على الدوحة، يبقى الرد في خانة البيانات وحدها. وهذا يعني عملياً منح إسرائيل ضوءاً أخضر للاستمرار، لأنها لم تدفع أي ثمن حقيقي.
المطلوب اليوم واضح وبسيط:
· أن تقطع الدول المطبّعة مع إسرائيل علاقاتها أو تجمّدها على الأقل.
· أن يُرفع الظلم عن مقاومة الشعب الفلسطيني ويُعاد الاعتبار لحقها المشروع.
· أن تُعلن مقاطعة اقتصادية وتجارية حقيقية، حكومية وشعبية، للإحتلال.
· أن يُجرّم التصهين بكل أشكاله، في الإعلام والسياسة والمجتمع.
· أن يُعاد بناء البيت العربي - الإسلامي من الداخل عبر لجان لرأب الصدع وتخفيف الخلافات.
· أن يُستخدم سلاح الاستثمارات والاقتصاد للضغط على الدول المنحازة لإسرائيل.
هذه المطالب ليست شعارات بعيدة، بل خطوات عملية في متناول اليد. وإذا لم تتحول القمم إلى منصات لاتخاذ مثل هذه القرارات، فإنها ستبقى مجرد مشاهد متكررة من العجز والضعف، تزيد من الإحباط الشعبي وتفتح الطريق أمام إسرائيل لمزيد من العدوان.
إن الرسالة التي يجب أن تصل من الشعوب إلى قادتها اليوم واضحة: كفى بيانات، نريد أفعالاً. كفى شجباً، نريد خطوات عملية. كفى كلاماً، نريد موقفاً يحفظ الكرامة والسيادة ويضع حداً للعدوان.


