تحمل الحرب في غزة مزيجًا من الموت والدمار والاقتلاع من الجذور؛ فكل بيت فيها يحمل عزاء، وكل زقاق يروي مأساة، حتى بدت المدينة وقد سُويت بالأرض في محاولة لطمس وجودها المادي والمعنوي معًا.
راهنت المقاومة في التحضير للسابع من أكتوبر على عدة ثوابت: أن إسرائيل لا تملك نفسًا طويلًا في الحروب، وأن ضرباتها الخاطفة هي أقصى ما لديها؛ وأن أسراها ورقة لا يمكنها التفريط بها؛ وأن المحور سيقف متماسكًا، وأن الضفة والداخل الفلسطيني سيلتحقان بالمعركة. لكن الوقائع جاءت مغايرة: إسرائيل أبدت برودًا غير مسبوق تجاه أسراها، والمحور بدا متصدعًا، فيما لم تلتقط الساحات الأخرى اللحظة. هنا يبرز السؤال: ماذا تبقى للمقاومة؟
نحن أمام مسارين لا ثالث لهما تقريبًا:
1. سيناريو الخراب الكامل ومشروع “إسرائيل الكبرى”:
استمرار آلة الحرب حتى القضاء على ما تبقى من غزة، مضاعفة أعداد الشهداء، وتوسيع دوائر الدمار إلى حدود غير مسبوقة، والتهجير القسري ليُترك القطاع كجغرافيا بلا حياة. لكن هذا المسار لا يتوقف عند حدود غزة فقط؛ بل يتسع ليشمل قضم الضفة الغربية وضمها عبر تكثيف الاستيطان وفرض التهجير الطوعي أو القسري وحل السلطة الوطنية، وكذلك تفكيك عرب الداخل بسياسات التمييز والضغط والتذويب، وصولًا إلى إعادة إحياء حلم “إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات”؛ دولة متمددة بلا منافس، تُفرغ الأرض من أصحابها الأصليين وتعيد صياغة الجغرافيا والديموغرافيا بما يخدم مشروعها التوسعي.
2. سيناريو الانفجار الإقليمي:
قد تبدو المراهنة على تفجر الإقليم خاسرة - فقد تخلى منذ سنتين- إلا أن مؤشرات عديدة تدل على احتمال انفجار واسع: الضفة والداخل يتعرضان لأبشع وأقسى أنواع الضغط وقد يلتحقان بالمعركة ويتعرضان للانفجار في كل لحظة. حزب الله قد يجد نفسه مضطرًا إلى المواجهة كخيار وجودي، فسلاحه يعني انتحاره السياسي والعسكري معًا ولن يلجأ الحزب للصدام مع الجيش بل سيلجأ للقفز للأمام في مواجهة إسرائيل، وقد يبدو مشهد سوريا الممزقة إلى ثلاثة كيانات في مواجهة الاحتلال خيارًا أوحداً يعيد توازنها، فيما تبقى إيران قادرة على تحويل “نصف الحرب السابقة” إلى مواجهة شاملة تستنزف قوة الردع الإسرائيلية. وبينما تبدو مصر، بجيشها ذي العقيدة الراسخة رغم القيادة السياسية المتواطئة، والأردن التي تغلي تحت الرماد، واليمن التي تمد خيوط المساندة، كلها عناصر يمكن أن تغيّر معادلة الصراع إذا تبلورت الإرادة الجماعية.
وكتقدير موقف أنه مهما طالت هذه الجولة ومهما بلغ حجم الدمار والضحايا، فإن إسرائيل تُستنزف في عمقها السياسي والعسكري والاقتصادي والاجتماعي. مشروعها التوسعي يخلق أعداءً أكثر مما يحقق أمنًا، وقوة ردعها تتآكل أمام جغرافيا مليئة بجبهات قابلة للاشتعال. بهذا المعنى، قد تتمدد إسرائيل مؤقتًا في الدم والخراب، لكنها في النهاية تتجه نحو مسار الزوال الحتمي. والسؤال لم يعد: هل ستنهار إسرائيل؟ بل: متى، وبأي شكل سيتشكل الشرق الأوسط بعدها؟
والأهم أن هذا الزوال لا يحتاج إلى جيوش جرّارة ولا عتاد عسكري ضخم؛ بل إلى ألف رجل من كل جبهة، يحملون العقيدة نفسها والإرادة نفسها التي حملها رجال السابع من أكتوبر لأنهم البرهان أن زوال إسرائيل ليس حلمًا بعيدًا، بل قدر يقترب مع كل يوم من الصمود والمقاومة.
ختاماً: ليؤمن كل حر أن زوال الكيان ليس خيارًا بل مصيرًا، وأن تحرير الأرض يبدأ بإرادة الرجال قبل سلاحهم. وسيكون الشعار: أن ألف رجل من كل جبهة… كفيلون بأن يطووا صفحة إسرائيل إلى الأبد..


