على كرسي بلاستيكي، تجلس أم أحمد نبهان تنظر إلى الأفق لتستذكر لحظات لقاءاتها بعائلتها سابقًا على الرصيف الممتد لميناء غزة.
ذكريات جمعتها في رحلة استجمام على رصيف الميناء المكدّس بخيام النازحين حاليًا، حين تشتدّ حرارة الصيف ليكون الميناء ملاذهم لتبريد نهار يونيو الحارّ.
لم تحضر أم أحمد مستجمّة هذه المرة كما أعوامها السابقة؛ فالآن تقيم على أرضٍ بلا مقومات حياة، وتحاول استنهاضها من العدم في سبيل العيش مؤقتًا، آملةً أن ينتهي العدوان على جباليا وتعود إلى مركز الإيواء الذي نزحت منه.
مأساة كبرى يحاول النازحون هنا تطويع الحياة وتوفير سبل الحياة في مأواهم المؤقت بعد اضرارهم لإخلاء منازلهم التي خرجوا على إثرها بأرواحهم دون أن يصطحبوا معهم أي تموينٍ يسدّ جوعهم أمام نوائب الأيام.
تقول ": هربنا من القصف، دون طعام أو ماء، طلعنا من مراكز النزوح بجباليا نجري ونتسابق مع الموت ما كنا نعرف وين بدنا نروح او شو نعمل، الناس كانت تزاحم بعض مثل يوم الحشر.
وتضيف: "صرنا نروح مع الناس دون معرفة بالطريق، حتى وجدنا أنفسنا في العراء، على رصيف الميناء حيث حطت رحالنا وأرهقت أقدامنا ولم تعد قادرة على حمل ثقلها".
وما بين أوامر الإخلاء والقصف المستمر؛ أصبح الميناء حاضنًا لعشرات آلاف النازحين من شمال القطاع إلى مدينة غزة خلال أيام فقط، فلم يترك جيش الاحتلال خيارا أمامهم سوى العيش في أماكن لا تحتوي على سبل الحياة البسيطة من ماء ومسكن ودورة مياه.
ميناء غزة اليوم تحول من مكان مليء بالمقاعد وعربات بيع متنقلة من أصناف الأطعمة والمسليات إلى بقعة خيام عشوائية، فيما قوارب مدمرة بالجوار وأرصفة متآكلة من شدة القصف الإسرائيلي الذي استهدف البنى التحتية بغزة.
فاطمة أبو حميدان نازحة أخرى من مخيم حلاوة شمال القطاع، تصف ما تعيشه وعائلتها بـ"الكارثي"، قائلة، نعيش في ظروف لا تصلح للعيش الآدمي فلا سبل إغاثة ولا منظمات تساعد النازحين على حياتهم، فضلاً عن عدم توافر الماء للاستخدام اليومي والشرب.
وتضيف في حديثها "، "أصبحت أخشى على أطفالي من أي عدوى قد تصيبهم نتيجة عدم توافر سبل النظافة، المكان أقل ما يمكن وصفه بأنه وكرٌ للأوبئة والأمراض المعدية في ظل الوضع السائد الان".
وتشير إلى أنه وبالرغم من عدم توافر حياة فيه إلا أنه لا يوجد خيارات أفضل أمامهم، فالشمال تذبح روحه من الوريد إلى الوريد والعودة إليه مخاطرة لا يمكن المغامرة بها، وغزة مليئة بالنازحين عن بكرة أبيها، ولا مكان بديل لهم.
وبالرغم من كون ميناء غزة بيئة تضم نازحين فقط إلا أنه لم يسلم من ضربات جيش الاحتلال الإسرائيلي وقصفه للخيام المهترئة بالغواصات البحرية والصواريخ الحوية ليبقى البحر ملجأ النازحين يخوضون غماره حال ضاقت في وجوههم الدنيا.


