يحق لأي منا أن يطرح سؤالًا وجيهًا وفي أي وقت، وهو: هل المقاومة والمقاومين خارج النقد؟ وبالتالي هل هما من التابوهات التي لا يجب أن تخضع للمساءلة والمراجعة؟
بالتأكيد ودون أية مواربة لا أحد خارج نطاق النقد؛ طالما المسألة تخضع للفعل البشري الذي صاحبه؛ يخطئ ويصيب، وإن كان الأساس، هو تقليل مساحة الأخطاء من الأساس؛ كون تكرارها لا يتعلق بخطأ في الممارسة، بل قد يطال مجمل البنية القائمة، وهنا أساس النقد الهادف إلى تصحيح الأخطاء المنهجية والفكرية والتنظيمية والسياسية، وما يترتب عليها من ممارسة فعلية، بل أستطيع القول وبجرأة عالية بأن الحالة الفلسطينية عمومًا، تجاوزت مرحلة النقد إلى ضرورة المراجعة الجذرية وإعادة تعريف للعديد من المسائل/القضايا. وعليه؛ فإن مثل هذا النقد التصحيحي، يجب أن يحضر في كل وقت وحين، ودون أية قيود، طالما يرتكز إلى قاعدة وطنية واجتماعية؛ يتحلى بالنزاهة الفكرية والأخلاقية، ذلك المفهوم البسيط القاضي بترك الحقيقة تمضي في دربها، بمعنى احترام الحقائق كما هي وكما يطرحها الواقع؛ دون أن تخضع للانتقائية والتوظيف وخدمة المصالح الفئوية والأجندات المضادة والرغبات الذاتية.. بل البدء من حيث يجب أن نبدأ، وهو البدء في أية عملية نقدية أو مراجعة بمعناها الأشمل، من الحقائق والوقائع التي تشكل نسقًا تاريخيًا هو أضخم من أن لا يراه كل من يتمتع ولو بالحد الأدنى من النزاهة الفكرية والأخلاقية، وبهذا المعنى تأخذ النزاهة محل الحديث مصمونًا موضوعيًا لا استنسابيًا، ومستغرقة في الواقع والحقائق معًا. وعليه؛ يمكن القول هنا وبدون أية مجازفة، بأن المعضلة لم تكن يومًا في القدرة على معرفة الحقيقة، بل الاستعداد للبحث عنها ومواجهتها وتناولها كما هي، دون تجني أو تزوير أو تزييف أو توظيف، كي لا نؤسس من عملية النقد، واقع يجري تلفيقه أو يخدم ويصب في أهداف العدو، بحيث يذهب بكامل التجربة إلى غير غرض النقد الحقيقي وهدفه الحيوي.
بناء على ما سبق، فإن الأمر ليس في مبدأ النقد، بل جوهر النقد وموضوعه وحقيقته وصدقيته وموضوعيته، والذي نوجزه بأسئلة: أي نقد نقصده؟ ونقد ماذا الذي نعنيه؟ وكيف يمكن أن يصل النقد إلى مبتغاه؟
منذ عملية/نصر ٧ أكتوبر على الأقل، كان النقد المقصود أعلاه في أغلبه، قد وقع ضحية ضيق الأفق والسطحية وفشة الخلق وجلد الذات والتسمر أمام حجم المجزرة، بتحميل النتيجة/المقاومة المسؤولية، لا السبب الدائم لها؛ الاحتلال/العدو من جانب، ومن جانب آخر؛ التشهير والتشكيك والقذف والاتهام والتجريم، الذي تجاوز على كل الوقائع والحقائق، ومحاولة التأسيس لتمزيق الضمير الجمعي الفلسطيني، بجعله ينقسم حول أبسط البديهات/المقدسات وما تختزنه الذاكرة الجماعية إزائها: الوطن، فلسطين، الإنسان، الجماعة، الوعي، المقاومة، المقاوم، وحدة الدم، وحدة المصير... الخ، والحصيلة تناحر في عمق الماهية الفردية والجماعية، وخلق حالة شاملة من الانقسام في الذات وعليها، وتحفيز كل مكنونات الثنائيات المتناقضة التي هي من طبيعة موضوعية وتاريخية، يجب العمل دومًا وأبدًا، من قبل القوى السياسية كما المثقفين والكتاب الوطنيين، على جسر تناقضاتها والتخفيف منها، نحو وحدتها لا تنافرها أو تشظيها؛ فما بالكم ونحن نواجه حرب إبادة شاملة لا تدع مجالًا للشك حول هدفها، المعلن منها لا المُضمر؛ وجودنا ومصيرنا على أرض وطننا، أي تطال؛ التاريخ والحاضر والمستقبل؟!
هنا، تستوقفنا الكتابة والمحتوى الذي عَمدَّ إليه عدد غير قليل من الكُتّاب والمثقفين وصنّاع المحتوى، الذين لم يكن هدفهم بالمطلق نقد الأداء أو الممارسة، والوقوف على أخطائها وثغراتها ونواقصها، بهدف التصحيح والتجاوز، بل نقد صحة فكرة المقاومة من أساسها، والتجرؤ على الدم، من خلال التجرؤ على من يقوم بالفعل المقاوم.. هذا أساس ومنطلق للكثير من هذه الكتابات والمحتويات؛ لفلسطينيين وعرب وإعلام الأنظمة المطبعة والخائنة، لهذا تجرأ هؤلاء حد وصلت مطالبتهم إلى أن تعلن المقاومة استسلامها وتسليم سلاحها وخروج المقاومين من أرضهم، التي يذودوا عنها، تحت "دواعي الحفاظ على ما تبقى!"، وهذا بالضبط، مطلب للعدو بكامل حلفه أيضًا؛ فكيف يلتقي الضدان: الصديق والعدو على ذات الهدف؟!
هذه ليست محاولة من قبلهم؛ لمناصفة تحميل المسؤولية للعدو الذي يقوم بجرم إبادة مشهود، في عرف كل القوانين الدولية والإنسانية، بل عملية واعية؛ لتحميل المقاومة والمقاومين المسؤولية الكاملة، بما يعني أن فكرة المقاومة ومن يمارسها، ومن خلفها كل شعبنا، الذي مطلوب تعميم "ثقافة الهزيمة" في كامل بنيته، وكسر إرادته، من خلال كسر وعيه، وما يختزنه ضميره الجمعي، من صور ناصعة من سِفِر تاريخه المقاوم... هؤلاء جميعًا هم المستهدفين بالأساس، وهنا موقع الجريمة التي تقف على ذات أرضية الطلقة والدعاية الصهيونية التي تعمل على دعشنة المقاومة والمقاومين، ووصمهم بالإرهاب، وبالتالي تشريع فعل الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، وهي ذات الأرضية التي ينطلق منها الإعلام الرسمي وغير الرسمي العربي المطبع والخائن، وأرضية أيضًا من يعترف بإسرائيل/العدو؛ شرعيةً ووجودًا، ويرتكز إلى أن التسوية هي الحل وليس المقاومة.. وهؤلاء جميعًا الحل معهم، ودون أية تراخي أو تراجع، مواجهة خطابهم الاستسلامي، وكشف زيف ادعاءاتهم، وفضح ذهنية انهزامهم - إن لم يكن أكثر - ومقاطعة كتاباتهم وإعلامهم، التي تجرأت على المس بأقدس ما لا يجب أن يمس؛ فكرة الوطن ووحدة الشعب وضميره الجمعي وذاكرته الحية ومصيره المشترك ودمه المسفوك ومقاومته المستمرة ومقاوميه الأوفياء؛ إنهم يتجرأون على بقعة الضوء الأكثر إنارة في ليل الأمة الحالك... وكأن المطلوب أن نصبح جميعًا مطايا لخطابهم الهالك.


