السبت 27 ديسمبر 2025 الساعة 01:54 ص

الأخبار

طريق صلاح الدين

رحلة عذاب النازحين العائدين إلى شمال غزة

حجم الخط
غزة ـ صوت الأقصى

تفاصيل معاناة تتكشف فيها مرارة السير إجبارًا في طريق حلزوني مليء بالمتاهات التي لا حصر لها، مع قرب المسافة المباشرة بين جنوبي القطاع وشماله.

وتتولى لجنة دولية بإشراف أمريكي مصري مهمة فحص المركبات العابرة نحو الشمال، بموجب اتفاق وقف إطلاق النار بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، الأمر الذي تسبب في ازدحام خانق وتكدس كبير للمركبات في طابور يصل طوله لمسافة لا تقل عن ثلاثة كيلو مترات.

رحلة شاقة

رحلة العودة للديار حملت بين جنباتها معاناة الانتظار دون طعام أو شراب، عدا عن قضاء الليل في العراء تحت لسعات برد أربعينية الشتاء القارس.

في أحد المقاعد الخلفية لإحدى السيارات التي تقل على أكتافها حمولة أصحابها، تنتظر الأربعينية هالة نبهان فحص الكم الهائل من المركبات التي تصطف أمامها للعبور باتجاه الشمال.

تقول نبهان، التي اعتقدت أن عودتها إلى زوجها في جباليا شمالي القطاع ستكون بسلاسة النزوح جنوبًا: إن "السيارات في طريق الفحص عند اللجنة الأمريكية المصرية بتمشي مثل السلحفاة، لم أتخيل أن العودة ستكون بهذا المرار".

وتضيف في حديث صحفي"غادرت وأطفالي الخيمة في مواصي خان يونس منذ ساعات الفجر الأولى، كي أصل الشمال قبل وقت الظهر، الا أنني علقت في زحمة التفتيش على طريق صلاح الدين يومين كاملين".

وتتابع "قبل ما أطلع وأولادي من الخيمة اتصلت بزوجي الذي جهز نفسه واتجه لاستقبالنا، على أمل أن يكون اللقاء بعد بضع ساعات".

لم تكن الأم تملك الإجابة على سؤال أطفالها "هل اقتربنا من بابا؟"، فكل ما تعلمه أن السيارات لا تسير أبدًا، وأن ما لديها من ماء وطعام أخذ ينفد، فهي التي لم تُعد نفسها لهذه الرحلة الشاقة وإجراءاتها الفنية.

تقول نبهان: "عندما لاحظت ضجر أطفالي أخذت أطلب منهم النوم حتى لا يشعروا بثقل الوقت الذي لا يمر، فكان يتجاوب معي شق وآخر يرفض ذلك".

وتشير إلى أنه عندما نفّد الماء لديها، أخذت تبحت عن أي بائع متجول لشراء بعض الماء لأطفالها، لكنها لم تجد إلا نازحين أخذوا يتعاونون فيما بينهم عبر تبادل المتوفر لديهم من الخبز والماء.

معاناة مضاعفة

وفي إحدى سيارات النقل العام وعلى بعد أمتار فقط من السيارة التي تخضع للفحص الأمني، تجلس المواطنة جيهان قزعاط واضعة رأسها على ظهر مقعد السيارة الأمامي تنظر أمامها إلى طريق يمتلأ بالسيارات المتوقفة.

تقول قزعاط ": "لم تكن المركبات تسير، بل كانت عالقة وكأنها لا ترغب في العودة إلى الديار، جل التأخير كان بسبب الفحص الذي لا يعلم أحد جدوته سوى إعاقة الطريق وتعذيب العائدين".

وتصف معاناة العودة لشمالي غزة بأنها مضاعفة، وخاصة على الأطفال الذين لا يعلمون أن عليهم تحمل المزيد فوق طاقتهم.

وتضيف "قضينا الليل في العراء نلتحف ظلامه وبرده الشديد الذي أخذ ينخر عظامنا".

تحولت لحظة وصول السيارة إلى نقطة التفتيش التي ظن النازحون أنها لحظة الفرج، إلى معاناة للسير عبر مسار رملي حلزوني، بعيدًا عن المركبة التي خرجت منها العائلة بناءً على طلب أحد رجال الأمن المصريين، لتخصع لذلك التفتيش اللعين.

تشير قزعاط أنه وبعد معاناة طويلة استطاعت العبور نحو مدينة غزة، لتجد ركام منزلها المدمر جزئيًا، وتبدأ رحلة تنظيف ذلك الجزء، وتضميد فتحاته بقطع من الشادر للمكوث فيه.

لم يكن حال منزلها المدمر إلا صورة مصغرة من حجم الدمار الذي حل بقلب المواطنة عهود الهسي التي ضرب منطقتها زلزال أخفى معالمها عن الوجود.

تقول الهسي ": "كل التعب إلي شفناه على طريق صلاح الدين لا يُساوي شيئًا أمام الألم والتعب لحال منزلنا الذي لم يعد موجودًا".

وتضيف "كنت أظن أن العودة للشمال ستحمل في طياتها الأمان والاستقرار، لكنها بداية صراع مع البقاء والوجود".

وتؤكد أن ما حدث في هذه الحرب عبارة عن غصات متراكمة، كان آخرها عذابات طريق العودة وصدمة البيت المدمر الذي لم يتبق منه سوى بضع أثاث لملمتها واحتفظت بها، حتى تكون الذكرى الوحيدة لها من بيتها.

ولم تكن تتخيل الهسي أن وجع العودة سيكون أشد وطأة من ألم النزوح والتشرد.

وفي 27 كانون الثاني/يناير الماضي، بدأ مئات آلاف النازحين بالعودة من جنوبي القطاع إلى محافظتي غزة والشمال، سيرًا على الأقدام عبر شارع الرشيد، ومن خلال العربات والمركبات عبر شارع صلاح الدين بعد إخضاعها للتفتيش.

ويأتي ذلك بعد أن دخل اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة حيز التنفيذ في 19 يناير الماضي، ويستمر في مرحلته الأولى 42 يومًا، يتم خلالها التفاوض لبدء مرحلة ثانية ثم ثالثة، بوساطة مصرية وقطرية.