الخميس 01 أكتوبر 2020 الساعة 10:48 م

مقالات وآراء

العرب والزعامة المفقودة!

حجم الخط

بقلم المستشار أسامة سعد

ما من شك بأن الزعامة ملكة وهبة من الله سبحانه وتعالى، فهي ليست علم يدرس، ولا مهارة تكتسب، وإنما هي مزيج من مميزات شخصية، صقلتها تجارب ومواقف، وأشبعتها معرفة وحكمة، وهذبتها قوة روحية صافية، فصنعت زعيما له تأثيره الخاص على مجريات الاحداث، تفاعل معها واستشرف مآلاتها فصنع منها التاريخ.
ولقد مر عبر التاريخ قادة كثر، وضعتهم ظروفهم في سدة القيادة، منهم من أحسن ومنهم من أساء ولكن قلما حدثنا التاريخ عن زعماء غيروا مسارات الاحداث، ووضعوا نقاطا فاصلة بين مراحل التاريخ، فخلد الزمان ذكرهم وسيرتهم. 
ليس غريباً أن تهفو قلوب العرب نحو أردوغان الزعيم التركي الذي ألهب نفوس العرب قبل الأتراك بمشاعر جياشة تحن إلى ماضي مجيد، ولم تكن تصرفات أردوغان لتلقى هذا الاهتمام لدى الشعوب العربية على أهميتها لو كان لديهم زعامة مقنعة يلتفون حولها وتصبح لهم مصدر إلهام.
 وربما لو كانت لديهم مثل هذه الزعامة لأنفوا أن ينظروا لأردوغان نظرة الزعامة تلك، خاصة وأنهم عبر التاريخ يميرون انفسهم-باعتبارهم عرب-  عمن سواهم من الأعاجم، حتى لو كانوا على دينهم نفسه، وما قصة أبي مسلم الخرساني أو البرمكي بغريبة عن هذه الثقافة المتأصلة في نفوسهم، حتى أن الحديث الشريف جاء ليكسر هذا الاعتزاز بالعرق من خلال قوله صلى الله عليه وسلم " لا فضل لعربي على العجمي إلا بالتقوى" وكأن الحديث الشريف يخبرنا بأن العرب يعدون انفسهم أشرف نسبا وانقى عرقاً وأصلاً وأعظم فضلاً عمن سواهم من الأعاجم، فجاءت  القاعدة النبوية لتقرر أن الفضل بالتقوى والتقوى فقط.
فكيف والحال هكذا؟ سلم العرب قلوبهم وعقولهم لأردوغان التركي الأًصل، ولم تفلح كل محاولات إعلام بعض القادة العرب من النيل من شخصية الرجل، أو تحويل قلوب المحبين العرب عنه.
لا شك بأن الإجابة الواضحة أن العرب يفتقدون الزعامة القوية التي تجبر العالم على احترامها وتجعله يحسب لها ألف حساب، خاصة حينما تعزز هذه الكاريزما القيادية بمواقف تزيد من حضورها الإقليمي والعالمي.
 لقد بدأت أن أولى حلقات بروز هذه الشخصية الطاغية  عند العرب في مؤتمر دافوس عام 2009 حينما واجه  أردوغان الرئيس الصهيوني شمعون بيرس بقوة، ووصفه بالقاتل ووصف دولته بالمارقة في الوقت الذي كان يجلس فيه أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى كتلميذ مؤدب بين يدى بيرس، ثم تألق نجم الرجل حينما أمر بإسقاط الطائرتين الروسيتين فور اخترقهما الأجواء التركية، فكان مشهد عز تاقت له قلوب الجماهير  وتوهجت الكاريزما القيادية له و ظهرت جلياً في تصديه لانقلاب العسكر ورفضه الاستسلام أو الهرب، ثم أخيراً بموقفه من تدخل قوات عدد من الدول شرق سوريا، وإجباره قوات الولايات المتحدة على إفساح الطريق للقوات التركية لتأمين منطقة شمال سوريا التي تمثل العمق الإستراتيجي للأراضي التركية رغماً عن المعارضة الأمريكية لهذا التصرف، وأخيراً وليس أخراً مساندته لقوات حكومة الوفاق ومساعدتها على كسر هجوم حفتر وتحرير الغرب الليبي كاملاً والبدء في الزحف نحو الشرق ، وثم توجت أعماله بتحويل متحف أيه صوفياً إلى مسجد، كل ما سبق عزر شخصية أردوغان تعزيزا غير مسبوق، وجعل منه زعيماً  تهتفوا إليه قلوب الملايين، لأنها وجدت فيه ما يعبر عن عزتها وكرامتها وتطلعاتها وأحسته الأمين على تطلعاتها وثورتها، وأعاد إلى ذاكرتها ماضياً عريقاً عزيزاً.

ولذلك وجدت زعامة أردوغان طريقها إلى قلوب العرب في ظل غياب تام لأي شخصية عربية قد تنافسه ولو بشيء بسيط من الحضور، بل على العكس تماماً، فما يوجد من زعامات وقيادات عربية لم تمثل للشعب العربي إلاَّ الذل والهوان والخضوع والهزائم أمام العدو، وفي الوقت نفسه الظلم والجبروت والطغيان والفساد تجاه الشعب، وأمام هذا الواقع كان أردوغان هو الزعيم وهو المعلم الملهم، تمثل فيه عبق التاريخ وألق الحاضر وجمال المستقبل. فلا تلوموا الشعوب على خيارتها.